المطربة ثلجة التبسية.. أيقونة الفن الأوراسي الأصيل

في سجل الفن الجزائري العريق، تظل هناك أصواتٌ ماسية لا يطويها النسيان، وأسماءٌ حُفرت بنقوشٍ ذهبية في وجدان الشعوب. ومن بين هذه القامات السامقة، تتلألأ النجمة الراحلة سعدية بخوش، الأيقونة الفنية الفذة التي عرفها الجمهور العريض باسمها الفني الآسر “ثلجة التبسية”. لقد كانت ثلجة بمثابة السفير الروحي للأغنية الأوراسية والفلكلور الشعبي الأصيل، تاركةً خلفها إرثاً غنائياً غزيراً يعكس عبق الشرق الجزائري وأفراحه.
ولدت سعدية بخوش في 12 جوان 1953 في مدينة تبسة، تلك الربوع الأثرية الساحرة القابعة في أحضان جبال الأوراس الشامخة. في هذا المحيط العائلي المتمسك بالتقاليد، والبيئة الثقافية الغنية بالنغمات الشاوية والبدوية الضاربة في عمق التاريخ، ترعرت ثلجة وتشرّبت حب النغم الأصيل. ظهرت موهبتها الفطرية مبكراً، حيث تميزت بـصوت قوي، صداح، ومتمكن، قادر على التنقل بين المقامات الفلكلورية الصعبة بمرونة نادرة وإحساس دافئ.
شهد عام 1976 المنعطف الأبرز في حياتها المهنية، حيث سجلت إطلالتها الرسمية الأولى على المسرح. جاء ذلك عندما دُعيت للمشاركة في حفل فني مميز رفقة المطربة “مباركة” والفرقة الفلكلورية العريقة لمدينة الونزة التابعة لولاية تبسة. في تلك الليلة المشهودة، هزّ صوتها أركان القاعة وأسرت قلوب الحاضرين بأدائها الباهر للمواويل التراثية، لتنطلق من تدويلها المحلي نحو أفق النجومية الوطنية الواسع.تنقلت ثلجة في حياتها بمرونة بين مدينتي تبسة وعنابة، مستلهمةً من المدينتين طاقة إبداعية متجددة. ورغم قلة البلاتوهات التلفزيونية في تلك الحقبة، إلا أنها كانت فنانة دؤوبة ونشطة للغاية؛ إذ كانت تسجل سنوياً ما بين شريطين إلى ثلاثة أشرطة كاسيت (Cassettes)، وهي الوسيلة التي جعلت صوتها ضيفاً عزيزاً في كل بيت جزائري ومغاربي. وفي عام 1984، نالت اعترافاً رسمياً وتلفزيونياً كبيراً بحلولها ضيفة شرف على سهرة رسمية كبرى بُثت مباشرة من عاصمة الشرق قسنطينة.
لم تكن مسيرة ثلجة مجرد غناء عابر، بل كانت مشروعاً توثيقياً للهوية الثقافية. حظيت موهبتها الاستثنائية بتقدير كبار الملحنين والشعراء في الجزائر، مما أثمر تعاوناً فنياً راقياً مع كوكبة من عباقرة الموسيقى الجزائرية، وفي مقدمتهم المطرب والملحن القدير رابح درياسة، والمايسترو معطي بشير، والموسيقار محمد بوليفة. هذا الامتزاج بين صوتها البدوي القوي والتقنيات اللحنية الأكاديمية أنتج قالباً موسيقياً فريداً يُصنف اليوم ضمن كلاسيكيات الفن المغاربي.
أغاني ثلجة بملامستها المباشرة للواقع الاجتماعي، ومشاركتها الوجدانية العميقة في الأفراح والأتراح الجزائرية. ومن أبرز روائعها التي لا تزال تصدح في الأعراس والمناسبات: “جابولها الحنة”، “مبروك الصغير”، “ياما راني مريضة”، “يا صالح ياصالح” تلك التحفة الفلكلورية الشائعة التي تخطت الحدود الجغرافية لتُرددها الألسن في تونس المجاورة أيضاً، “خانتني ليام” و”يا شجرة لرياح”، “نارك يا بونارين”، و”لسمر يا زين الزين”، “فرنسا المحانة”، “حبيتو الاسمر” … وغيرها.
رغم أن الجائزة الأكبر لثلجة كانت تربعها على عرش القلوب ونيلها محبة جماهيرية جارفة، إلا أن مسيرتها حظيت بتقدير الهيئات الثقافية الرسمية في الجزائر وتونس من خلال شهادات تكريمية وأوسمة شرفية في مهرجانات الفنون الشعبية والتراث الأوراسي، لتبقى خير سفيرة لهذا الفن الأصيل.






