فن

حميدوش.. فقيد الأغنية القبائلية وأحد صناع مجدها

تزخر الذاكرة الفنية الجزائرية بأسماء حُفرت بمداد من ذهب في سجل الأغنية القبائلية، ومن بين هذه القامات الساطعة التي لمعت في سمائها خلال فترتي الثمانينات والتسعينات، يبرز اسم المطرب الراحل حميدوش. لقد نجح هذا الفنان الاستثنائي في ترك بصمة خالدة في الموسيقى القبائلية بفضل صوته الشجي المليء بالإحساس وقدرته الفريدة على إدخال روح العصرنة والتجديد على الطابع القبائلي الفلكلوري.

ولد الفنان حميدوش، واسمه الحقيقي أحمد خديم، في 14 أوت سنة 1956 بقرية “أڨني بوكلان” التابعة لمنطقة ⁠عطوش ببلدية ماكودة ولاية تيزي وزو. نشأ الراحل في عائلة متواضعة مكونة من ثمانية أطفال، وترعرع وسط الطبيعة الجبلية الساحرة لمنطقة القبائل التي تشرب منها حب الفن والكلمة الموزونة منذ نعومة أظافره.

في عام 1964، وعندما كان في الثامنة من عمره فقط، شكّل حضور حميدوش لحفل فني أحياه المطرب رشيد مصباحي نقطة تحول حاسمة وجوهرية في حياته. هذا الحدث الصغير أشعل في قلبه رغبة وعزيمة لا تلين لدخول الوسط الفني؛ فقام بصنع غيتار يدوي بسيط من أدوات بدائية ليبدأ بتعلم أولى نوتاته الموسيقية، قبل أن تهديه شقيقته غيتاراً حقيقياً فتح له أبواب الإبداع. في عام 1974، أحيا أول حفلة عائلية له بدون مكبرات صوت، معلناً ولادة موهبة قادمة بقوة.

جاءت الانطلاقة الفعلية والمدوية للفنان حميدوش مباشرة بعد إنهائه الخدمة العسكرية في تندوف. ففي عام 1978، أصدر ألبومه الأول وتصدرت أغنيته الشهيرة “أ ويزة سمحاس” المشهد الفني. فقد حققت الأغنية نجاحاً جماهيرياً ساحقاً في منطقة القبائل وعموم الجزائر بفضل إيقاعاتها المبتكرة وصوت حميدوش العذب. ثم تابع الفنان مسيرته الإبداعية بكتابة وتلحين مجموعة من الروائع التي أصبحت تؤثث الحفلات والأعراس والبيوت الجزائري، ومن أبرزها: “نادية روح”، “المحبة ثموث” التي غناها بشكل أسطوري ⁠فوق خشبة مسرح الأولمبيا بباريس عام 1982، وأغنية “أرواح أرواح”، “سيدي لَمير و”سطاش ذي لعمريس”… وغيرها.

لم يتوقف حميدوش عند نمط غنائي واحد، بل كتب وغنى عن كل مسائل وهموم ومشاعر الإنسانية؛ فامتزجت في أغانيه أفراح الحياة بآلامها، وعبّر عن لسان حال الشباب المغترب والمحلي على حد سواء.

تميز المشروع الفني لحميدوش بالعصرنة؛ حيث كان من الأوائل الذين أدخلوا آلات موسيقية حديثة وتوزيعات غربية متناسقة مع الآلات التقليدية، محتفظاً في الوقت نفسه بالهوية والشعر الأمازيغي الأصيل. هذا الذكاء الفني جعله يحظى بتقدير كبار شيوخ الأغنية؛ حيث قام الفنان سليمان عازم بتزكيته وتقديمه رسمياً للجمهور في حفله التاريخي بقاعة الأولمبيا في باريس عام 1982، وهي شهادة فخر واعتراف بعبقريته.

وامتداداً لهذا الإرث العائلي الفني، يسير ابنه الفنان كريم خديم المعروف في الوسط الفني بـ Kedym على خطى والده اليوم؛ حيث اقتحم عالم الغناء معيداً إحياء روائع والده بلمسة عصرية جديدة ليحافظ على استمرارية هذا الإرث بين الأجيال، محققاً نجاحا كبيرا.

في نهاية التسعينات، بدأ المرض العضال ينهك جسد الفنان الشاب، ليرحل عن عالمنا في 5 جوان 2002 بأحد مستشفيات مدينة مرسيليا الفرنسية عن عمر ناهز 45 عاماً.ورغم رحيله المبكر والمحزن، ترك حميدوش وراءه رصيداً فنياً غنياً يضم عشرات الأغاني والألبومات التي لا تزال تصدح في الإذاعات والمناسبات. لقد كان رحيله خسارة كبيرة، لكن أثره الفني المتميز في الثقافة الجزائرية والأمازيغية جعله حياً في قلوب الملايين من عشاق الفن النبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى