فن

علاوة زرماني.. بهجة المسرح والشاشة

إذا تصفحت سجلات الإبداع الفني في الجزائر، فستجد حتمًا اسم الفنان القدير علاوة زرماني محفورًا بحروف من ذهب كأحد الرموز الحية للمسرح والسينما والتلفزيون. من خشبة قسنطينة العريقة إلى الشاشة الصغيرة، استطاع هذا الفنان المتميز بموهبته التلقائية أن يبني جسرًا متينًا من المحبة مع الجمهور، ليصبح وجهًا مألوفًا يعكس نبض المجتمع الجزائري بمرارة واقعه وعفوية كوميديته.

وُلد علاوة زرماني يوم 16 ماي عام 1951 في مدينة قسنطينة العريقة، المدينة التي تشبع بروحها وتراثها الثقافي والفني الفريد. كبر “عمي علاوة” في شوارع وأزقة الجسور المعلقة، ونشأ وسط بيئة اجتماعية خصبة ألهمته مبكرًا، حيث كان يراقب بتأمل تفاصيل الشخصيات الشعبية واليومية التي جسّدها لاحقًا ببراعة مذهلة في شتى أعماله الفنية.

التقى بصديق دربه الفنان “جمال دكار” في الحي، وأسسا معًا مجموعة من الشباب الشغوفين فرقة المسرح الهاوي وعمره لم يتجاوز 18 سنة. كتب جمال دكار مسرحية تحمل عنوان «لمن بقى»، وشاركت بها فرقتهم في المهرجان الوطني لمسرح الهواة بمستغانم، حيث نالوا جائزة شجعتهم على مواصلة المسير.

شارك مع طاقم مسرحية «الحاج إجيب حدا» عام 1976، وهي السنة التي شهدت انتقاله للمسرح المحترف بقسنطينة برفقة قامات فنية مثل فاطمة حليلو. ثم انضم رسميًا وبشكل دائم كعضو رئيسي في المسرح الجهوي لقسنطينة (TRC)، مكرسًا حياته بالكامل للخشبة.

أثبت زرماني نفسه كشخصية شعبية ترمز إلى مرحلة التأسيس والازدهار لمسرح قسنطينة. لم يكتفِ بالتمثيل بل امتدت لمسته إلى الإخراج الفني والمساعدة فيه.

من أبرز إسهاماته المسرحية «ريح السمسار» سنة 1979 واحدة من روائع المسرح الجزائري التي صُوّرت للتلفزيون وعرضت في حصة “سيني سينما” الشهيرة لأحمد بجاوي، ولاقت نجاحًا جماهيريًا كاسحًا. ومسرحية «الحوات والقصر» المقتبسة عن الرواية الشهيرة للأديب الكبير الراحل الطاهر وطار. و«عيسى تسونامي» و«عرس الذيب» وهي أعمال مسرحية مميزة للمخرج عمار محسن وعكست قضايا مجتمعية هامة.

أما كمساعد مخرج، فقد وضع بصمته الإخراجية في مسرحيتي «الرفد» و«الصخرة».

إذا كان المسرح هو النواة، فإن التلفزيون هو الذي أدخل علاوة زرماني إلى كل بيت جزائري، حيث شكل لسنوات طويلة ركيزة السلسلة الفكاهية الاجتماعية الأيقونية «أعصاب وأوتار» للمخرج محمد حزورلي، محققًا شعبية طاغية عبر شخصيات كوميدية كاريكاتورية تنتقد الواقع بذكاء.أما في السينما والإنتاجات الوطنية الأخرى، فقد شارك في أعمال تاريخية واجتماعية بارزة منها: فيلم «طاحونة السيد فابري» للمخرج أحمد راشدي، فيلم «صرخة من صخر» (Cri de pierres) للمخرج بوعلام بوقرموح، مسلسل «أشواك المدينة» سنة 2008، مسلسل «ناس الحومة» للمخرج عمار محسن. ومسلسل «جحا» في الجزء الرابع عام 2010، إضافة إلى السلسلة الكوميدية الحديثة «طيموشة» بجزأيها الأول والثاني 2020-2021 وجزئها الثالث سنة 2025، مبرهنًا على قدرته المستمرة في العطاء والتأقلم مع الأجيال الجديدة.

على مدار مسيرته الحافلة، حظي علاوة زرماني بالعديد من التكريمات الرسمية والشعبية التي تعكس وزنه الفني: كُرِّم في حفل مؤثر نظمه نادي “المزهر المسرحي” رفقة رفقاء دربه نور الدين بشكري وجمال دكار احتفاءً بعقود من الإبداع وذلك عام 2016 بالمسرح الجهوي بقسنطينة. كما حظي بتكريم خاص واحتفاء من القائمين على الطبعة الـ12 لمهرجان وهران الدولي للفيلم العربي تقديرًا لمشواره الطويل في السينما والتلفزيون عام 2024.

ويبقى علاوة زرماني، حتى بعد ابتعاده النسبي عن الخشبة بحكم السن، مدرسة قائمة بذاتها في التواضع، والالتزام بالفن الهادف، ومثالاً حيًا للفنان الذي حمل هموم شعبه ورسم البسمة على وجوههم في أحلك الظروف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى