فن

الشيخة الريميتي.. الأم الروحية للراي المحبوبة جماهيرياً والمنبوذة رسمياً

تظل الموسيقى الجزائرية مدينة لإحدى أعظم قاماتها عبر التاريخ، الفنانة سعدية بضياف، المعروفة عالمياً باسم “الشيخة ريميتي”. تلك المرأة العصامية التي حوّلت عذابات الطفولة وقساوة الأيام إلى ثورة موسيقية عارمة، جاعلة من طابع الراي القديم صرخة حرية دوت في كبرى العواصم العالمية.

أبصرت سعدية بضياف النور في 8 ماي 1923 بقرية تسالة الصغيرة القريبة من مدينة سيدي بلعباس بالغرب الجزائري. نشأت الراحلة في بيئة قاسية جداً، حيث ذاقت مرارة اليتم في سن مبكرة وعاشت طفولة مشردة بلا مأوى ولا عائلة تحتضنها. اضطرت في صباها للتنقل بين المزارع والحقول كعاملة بسيطة، ومن رحم هذه المعاناة والفقر المدقع، ولدت موهبتها الفذة؛ إذ بدأت تحفظ أشعار البدو وقصائد المداحات، لتجد في الغناء ملاذها الوحيد والدافئ للتعبير عن آلامها وآلام المجتمع.

وحين بلغت العشرين من العمر قررت الهروب من يتمها بالاستقرار في غليزان، حيث كانت تقضي يومياتها بين المبيت في الشوارع ومرافقتها لإحدى الفرق الغنائية المتجولة، قبل أن تلتقي بالمطرب الشهير، حينها، الشيخ محمد ولد النمس، الذي تبناها واستقدمها معه إلى العاصمة، فأدخلها الوسط الفني وساعدها على تسجيل أولى أغنياتها بإذاعة الجزائر.


سطع نجمها في الخمسينيات، مع إصدار أغنيتها “شرّك ڨطّع”، والتي أحدثت ضجة فنية واجتماعية بالغة بالنظر إلى جرأة كلماتها وقوة طرحها الاجتماعي، حيث كسرت المحظورات الجنسية في مجتمع تقليدي تكبله الممنوعات. كانت الأغنية بمثابة صدمة حقيقية للمجتمع المحافظ، حيث تجرأت ريميتي على كسر الطابوهات الاجتماعية الصارمة، متحدثة علانية وبلا مساحيق تجميلية عن الحب، الرغبة، الخمر، والجسد، ومعاناة المرأة في بيئة ذكورية. لقد كان أسلوبها الغنائي يعتمد على الكلمة العارية الصادمة، والوصف الدقيق لواقع الهامش، مما جعلها لسان حال  المقهورين.

وتم تلقيبها فنياً بالريميتي، عندما طلبت من النادلة في إحدى الحانات أن تسكب لها مرة أخرى قائلةً لها «remettez»، وتحولت مع الوقت إلى الريميتي بالعامية الجزائرية.

الأسلوب الثائر والجرأة الفجة جعلا الشيخة ريميتي تعيش مفارقة وجودية غريبة؛ فقد كانت محبوبة جماهيرياً إلى حد العبادة، لكنها منبوذة ومحاصرة رسمياً. عانت ريميتي من حظر غير معلن؛ فمُنعت تماماً من الظهور في التلفزيون الجزائري الرسمي، ولم تكن أغانيها تبث عبر أمواج الإذاعة الوطنية. ورغم هذا الإقصاء الرسمي الممنهج، كانت أشرطة الكاسيت الخاصة بها تباع بآلاف النسخ تحت الطاولات، وصارت حفلاتها في المداشر والأعراس تشهد إنزالاً جماهيرياً منقطع النظير.

أمام التضييق الرسمي في الجزائر، اختارت ريميتي الهجرة إلى فرنسا في أواخر السبعينيات، مستقرة في حي “بيلفيل” (Belleville) الشعبي بباريس. هناك، تحولت الهجرة إلى وقود جديد لإبداعها؛ فبدأت رحلة عالمية شائقة جابت فيها كبرى العواصم. أحيت ريميتي حفلات تاريخية حاشدة في مسارح عالمية مرموقة مثل مسرح “الأولمبيا” و”الزينيت” في باريس، وقامت بجولات فنية ناجحة ومبهرة في بريطانيا، ألمانيا، اليابان، والولايات المتحدة الأمريكية، حيث وقف الجمهور الغربي مذهولاً أمام طاقة عجوز ثمانينية تغني بحنجرة نحاسية تتفجر أصالة وحرارة بدوية.

في عام 1971 تعرضت الشيخة ريميتي لحادث مرور مروع وأليم في غرب الجزائر، راح ضحيته ثلاثة من عازفيها المخلصين، ودخلت هي في غيبوبة طويلة شارف فيها جسدها النحيل على الموت. بعد ناتها من هذا الحادث الإعجازي، قررت ريميتي في منتصف السبعينيات التوجه إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج. ت غيّر نمط حياتها، واعتزلت غناء الطابوهات الصادمة لفترة، متوجهة نحو المدح الديني والقصائد الإرشادية والاجتماعية التي تعالج الغربة والفقر، دون أن تفقد نبرة صوتها المتمردة.

لم تكن ريميتي فنانة تقليدية جامدة، بل كانت منفتحة على الحداثة بشكل أذهل كبار الموسيقيين في العالم.التعاون العالمي: في عام 1994، سجلت ألبومها التاريخي “سيدي منصور” في لوس أنجلوس وباريس، حيث تعاونت فيه مع عازف الغيتار العالمي روبرت فريب (مؤسس فرقة كينج كريمسون) وعازف الباص الشهير فلي (من فرقة ريد هوت تشيلي بيبرز)، مازجة قصبة الراي العتيقة بإيقاعات الروك البديل والسينثيزايزر الفخم.مع نجوم الراي: اعترف كبار نجوم الراي العصري في الثمانينات والتسعينات مثل الشاب خالد، الشاب مامي، الراحل الشاب حسني، والشابة الزهوانية، بأن الشيخة ريميتي هي “الأم الروحية والمنبع الأساسي” الذي استلهموا منه فنهم، وكانوا يتسابقون للظهور معها ونيل رضاها الفني.

بسبب طبيعة الفن البدوي الشفهي وغياب قوانين صارمة لحماية حقوق المؤلف في بداياتها، تعرضت الشيخة ريميتي لأكبر عملية سطو وسرقة فنية في تاريخ الأغنية الجزائرية. فعشرات الأغاني الشهيرة التي صنع بها “الشباب” ثرواتهم وشهرتهم العالمية في موسيقى الراي الحديثة، كانت في الأصل قصائد وألحاناً تعود لريميتي، أخذوها دون ذكر اسمها أو منحها حقوقها المادية، وظلت هي تعاني مادياً لفترات طويلة رغم أن كلماتها كانت تصدح في كل مكان.

  تركت ريميتي خلفها رصيداً ضخماً يتجاوز 200 أغنية، ومن أبرز روائعها الخالدة: “أنا وغزالي فالجبل”، “انت قدامي وانا موراك”، “جونيمار”، “يا راسي المخبل”، “داوني داوني”… وغيرها.

في يوم 15 ماي سنة 2006 بباريس، انطفأت هذه الشمعة المتوهجة فجأة إثر سكتة قلبية مفاجئة عن عمر ناهز 83 عاماً. والمثير للدهشة والخشوع، أن ريميتي توفيت بعد يومين فقط من اعتلائها خشبة مسرح “الزينيت” الأسطوري في باريس، حيث غنت لأكثر من ساعتين أمام الآلاف من جماهيرها الوفية.

لقد رحلت ريميتي تماماً كما عاشت؛ شامخة، ممسكة بميكروفونها، وتغني للرمق الأخير. رحلت بجسدها، لكنها تركت خلفها مدرسة فنية قائمة بذاتها، مخلدة اسمها كأجرأ صوت نسائي عرفته القارة السمراء، وامرأة نقشت بالدموع والقصيد تاريخاً موسيقياً جزائرياً لا يندثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى