عبد الحميد عبابسة… صاحب رائعة “حيزية” وعملاق الأغنية البدوية الجزائرية

عبد الحميد عبابسة هو عملاق الأغنية البدوية والعصرية، المطرب والملحن الفذ، ذلك الفنان العصامي الشامل الذي زاوج بين النضال الوطني الصادق والإبداع الموسيقي الراقي، فظل طوال حياته حارساً أميناً للكلمة الموزونة والنغمة الجزائرية الخالصة.
أبصر عبد الحميد عبابسة النور في 15 ديسمبر 1918 بمدينة بريكة التابعة لمحافظة باتنة العريقة. في هذه الربوع الأوراسية الشامخة، تنشق أولى أنفاسه قبل أن ينتقل برفقة عائلته ليعيش سنوات طفولته الأولى بين بريكة وبسكرة.
وقاده القدر بعد ذلك إلى حواضر الشرق، وتحديداً إلى مدينة قسنطينة الساحرة، حيث اشتغل هناك إلى جانب والده الصحفي اللامع في مطبعة مجلة “الشهاب” الشهيرة التي كان يصدرها رائد النهضة الجزائرية الشيخ عبد الحميد بن باديس. هذا الاحتكاك المبكر بالكلمة المكتوبة والفكر الإصلاحي صقل وعيه وثقافته، وزرع في قلبه عشق اللغة العربية والشعر العربي الفصيح.
بدأت رحلة الفتى اليافع عبابسة مع عالم الفن السحري من قلب الجزائر العاصمة منذ نعومة أظافره؛ حيث كان يردد بشغف وإحساس مرهف أغاني كبار الفن الشرقي الأصيل، محاكياً في أدائه عمالقة ذلك الزمان على غرار الراحلين فريد الأطرش، ومحمد عبد الوهاب، وكوكب الشرق أم كلثوم، وأسمهان.ولع الراحل الشديد بالشعر العربي قاده إلى التلحين؛ فترجم حبه للقصيد بتحويل العديد من المنظومات إلى نغمات خالدة، لعل أبرزها نشيد ”عليك مني سلام” للشاعر الجزائري الكبير الراحل محمد العيد آل خليفة، وهو النشيد التربوي والوطني الذي رددته أجيال ولا تزال.
تعززت الموهبة الفنية الفذة لعبابسة أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، حيث لم يكتفِ بالغناء، بل تعمق في دراسة الموسيقى وتعلّم العزف باحترافية العارفين على آلات موسيقية مختلفة ومتنوعة مثل الپيانو والعود.ومع اندلاع الوعي الثوري، سخّر عبابسة فنه لخدمة القضية العادلة وبدأ بتسجيل الأناشيد الوطنية الحماسية التي تلهب دماء المجاهدين.
هذا النشاط الثوري الفني المقاوم جعل منه مستهدفاً من قبل السلطات الاستعمارية الفرنسية الغاشمة، التي زجت به في غياهب السجن رفقة العديد من الفنانين والمثقفين الجزائريين خلال الثورة التحريرية المظفرة، لكن السجن لم يزد صوته إلا قوة وثباتاً.
بعد الاستقلال، اشتهر عبد الحميد عبابسة على نطاق واسع من خلال تسجيل الإسطوانات وبث أغانيه العذبة عبر أمواج الإذاعة وشاشة التلفزيون الجزائري. وكانت أغنية ”حيزية” الباكية بمثابة جوهرة حياته الفنية وتاجه المرصع، وهي الأغنية الأسطورية المستوحاة من قصيدة الشاعر محمد بن ڨيطون، والتي أداها عبابسة بإحساس تفطر له القلوب، قبل أن يعيد غناءها لاحقاً كوكبة من كبار الفنانين الراحلين مثل رابح درياسة، البار عمار ، منصور خضير، خليفي أحمد، وطاهر رحاب.
تميز عبابسة بمرونة غنائية مدهشة، حيث برع في أداء عدة طبوع موسيقية جزائرية أصيلة منها طابع الأياي البدوي العريق والأصيل، الأغاني الوطنية الحماسية مثل روائعه “تاريخ الأحرار” و”يا لطيف” والأغاني العصرية التي واكبت الحداثة الموسيقية مع الحفاظ على الهوية.
تزخر خزانته الموسيقية بعشرات الأغاني الخالدة التي لا زالت تردد إلى اليوم، ومنها: ”مالي مالي الله يهديك يا غزالي”، ”يا ڨلبي”، ”رحت نونس خاطري”، ”لابا يصبر”، ”يا الشمعة جرحي وجرحك”، ”العين الكحلة”، ”يا ڨلبي طوعتني”، ”الشوق والمحبة”، ”من حبك عديت”، و*”يا ڨلبي نوصيك”… وغيرها.
قام الراحل عبابسة بجولات فنية عديدة وناجحة جاب فيها مختلف ربوع الجزائر، بالإضافة إلى تمثيله المشرف للبلاد في مهرجانات فنية متنوعة ودولية في الخارج، حاملًا لواء الفن الجزائري العتيق إلى أسماع العالم.ولم تنتهِ رسالة عبد الحميد عبابسة برحيله؛ فهو الأب الروحي والبيولوجي لعائلة فنية بامتياز غذت الساحة الجزائرية بالإبداع، فهو والد الفنانين المعروفين نجيب، وفلة، وعايدة، والراحلة نعيمة عبابسة التي غادرتنا قبل سنوات.
وفي 15 مايو سنة 1998 بالجزائر العاصمة، انطفأت شمعة هذا الفنان القدير وترجل فارس الكلمة البدوية عن صهوة الحياة بعد مسيرة ذهبية حافلة تناهز الثمانين عاماً من العطاء غير المنقطع. رحل عبابسة بجسده، لكن صدى أغانيه، وعبق لملحمة “حيزية”، ونضاله الفني سيبقى محفوراً ببحار من ذهب في الذاكرة الجمعية وتاريخ الفن الجزائري الأصيل.







