وداعاً صوت البهجة.. عبد المجيد مسكود، رمز الأغنية الشعبية والعاصمية الأصيلة

فجعت الساحة الثقافية والفنية الجزائرية اليوم برحيل قامة سامقة من قامات فن الشعبي، المطرب والمبدع العصامي عبد المجيد مسكود، الذي وافته المنية بالعاصمة بعد مسيرة دافئة ومحترمة دامت لأكثر من نصف قرن، ظل فيها حارساً أميناً للهوية العاصمية الأصيلة والتراث الموسيقي العريق.
أبصر عبد المجيد مسكود النور في 31 مارس 1953 في حُضن حي “بلكور” العتيق في قلب الجزائر العاصمة. في هذا الحي الشعبي المفعم بالحيوية والزخم الثقافي، نشأ الراحل متأثراً بعبق الأزقة الضيقة ونغمات الشيوخ الكبار. ورغم أنه امتهن المحاسبة في بداية حياته، حيث عمل رئيساً للمحاسبين بيومية أوجردي لالجيري وشركة النقل الحضري، إلا أن نداء الفن والشغف الموسيقي كان أقوى وأعمق.
بدأت الرحلة الفنية الشائقة للراحل عام 1969 حينما كان يداعب أوتار غيتاره الأول مستلهماً طاقته من عمالقة الفن التعبيري والفكاهي. ولم تقتصر بداياته على الغناء فحسب، بل صقل موهبته الفذة عبر خوض غمار المسرح والكوميديا؛ فانضم أولاً إلى فرقة “محمد التوري” بساحة أول ماي تحت إشراف محمد طاهر بن حملة. ثم انتقل إلى “فرقة المسرح الشعبي” العريقة بقيادة الفنان الأيقوني الراحل حسن الحسني “بـوبقرة”، حيث شارك إلى جانب قامات مسرحية فذة مثل عمار أوحدة والطيّب أبو الحسن. هذه التجربة المسرحية الغنية منحت مسكود قدرة رهيبة على الأداء وحسّاً تعبيرياً فكاهياً ميز قصائده لاحقاً.
رغم نشاطه الفني المحلي المتميز، إلا أن الانطلاقة العالمية المدوية لـعبد المجيد مسكود كانت في عام 1989 من خلال رائعته الأزلية والتحفة الخالدة “يا دزاير يا العاصمة” التي صدرت رسمياً في ألبوم يحمل الاسم نفسه. بكلماتها العميقة والباكية، انتقد مسكود بألم وحنين التغيرات الاجتماعية والزحف العشوائي الذي شوّه جمال البهجة، متذكراً بأسلوب ندي لباس المرمة والشواشي، وعادات رمضان العتيقة، وعبق الياسمين والحبق في القصبة. هذه الأغنية تحولت إلى نشيد وطني يتوارثه المغتربون والمقيمون، ورسخت اسمه كأحد الوجوه التاريخية للأغنية الشعبية الجزائرية.
طوال مسيرته، تميز مسكود بالوفاء المطلق للقصيد المحجوز والألحان الحزينة الممزوجة بالتهكم السياسي والاجتماعي الساخر. وقدم باقة من الأغاني الناجحة مثل “نهار يبان الصح” و”شوفو شوفو” وألبوم “الغدرة” سنة 2001 الذي عالج فيه الخيانة الإنسانية بمرارة إبداعية، وكذلك ألبوم “بلكور” سنة 2014 تقديراً للحي الذي شهد ولادة موهبته، بالإضافة إلى أغنيتا “المكتوب” و”ماريا” سنة 2015.
أحيا مسكود مئات الحفلات الناجحة داخل وخارج الوطن، لعل أبرزها حفلاته التاريخية على مسرح كازينو باريس ومشاركته في المهرجانات الوطنية للموسيقى الشعبية، حيث كان يعتلي الخشبة بوقاره المعهود وابتسامته الصادقة، ممسكاً بمنديله الأبيض وغيتاره ليأسر القلوب باللازمة العاصمية الشهيرة.
حظي الفقيد بتقدير رسمي وجماهيري كبير؛ حيث تم تكريمه في العديد من المحافل الثقافية من طرف وزارة الثقافة والفنون الجزائرية والديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة. ونال أوسمة شرفية بصفته “حامي التراث الشعبي من الزوال”، نظير أسلوبه الفريد الذي زاوج فيه بين الكلمة البسيطة القريبة من المواطن البسيط والعمق التراثي الموسيقي.
عاش الفنان الراحل سنواته الأخيرة بعيداً عن الأضواء مرغماً بسبب تدهور وضعه الصحي ومعاناته الطويلة مع مرض عضال أقعده الفراش وحرم الجماهير من صوته الدافئ. ورغم قسوة المرض، ظل مسكود محاطاً بدعوات الجزائريين ومحبة زملائه من شيوخ الأغنية الشعبية الذين لم ينقطعوا عن زيارته.
واليوم الخميس 14 ماي 2026، ينطفئ هذا النجم العاصمي المشع، عن عمر ناهز 73 سنة ليرحل بجسده وتبقى صورته، ألحانه، ونبرة صوته الحزينة وهو ينادي “قولوا لي يا سامعين ريحة البهجة وين” حية في وجدان الأمة.رحم الله الفقيد عبد المجيد مسكود، وأسكنه فسيح جناته، وألهم عائلته والأسرة الفنية الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.









