كمال زرارة يترجل عن صهوة الحياة تاركاً إرثاً خالداً

شهدت الساحة الفنية الثقافية في الجزائر، اليوم الأربعاء 13 ماي 2026، فاجعة كبرى برحيل الممثل المسرحي والتلفزيوني المحترف كمال زرارة، الذي وافته المنية إثر أزمة قلبية مفاجئة، ليرحل في صمت تاركاً خلفه مسيرة حافلة بالإبداع جمعت بين التراجيديا والكوميديا، ورسمت البسمة على وجوه الجزائريين لسنوات طويلة.
ولد كمال زرارة في سنة 1967 بمدينة باتنة، عاصمة الأوراس، وسط بيئة متعطشة للفن والثقافة. في هذه المدينة التي تذخر بالحركة المسرحية، كبر الراحل وشغفه بالتمثيل ينمو معه، مما دفعه إلى صقل موهبته الفطرية والالتحاق بالخشب في سن مبكرة، حاملاً معه روح الأوراس وأصالتها التي تجلت لاحقاً في بحة صوته وقوة أدائه.
انخرط الفقيد في العمل المسرحي الاحترافي منذ عام 1985، حيث انضم إلى المسرح الجهوي لباتنة كممثل محترف. وعلى مدار أزيد من 35 عاماً، تنقل الراحل بين مختلف المسارح الجهوية عبر الوطن، وصولاً إلى خشبة المسرح الوطني الجزائري “محي الدين بشطارزي” بالعاصمة.تميز زرارة بقدرته الفائقة على تجسيد الشخصيات المركبة، وشارك في أمهات المسرحيات الجزائرية التي حققت نجاحاً جماهيرياً ونقدياً كبيراً، ومن أبرزها: “عالم البعوش” و”باديس والنية” ، “الديبلوماسي وكوشمار”، “ليلة الكوابيس” و”الإمبراطور” إضافة إلى المسرحية الأيقونية “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” المقتبسة عن رواية الطاهر وطار، والتي قدم فيها أداءً استثنائياً تذكره خشبات المسارح الوطنية والفرنسية خلال الجولات الثقافية.
مع بداية تسعينيات القرن الماضي، فتحت الشاشة الصغيرة أبوابها لكمال زرارة، ليصبح وجهاً مألوفاً وعنصراً لا غنى عنه في الشبكات البرامجية الرمضانية، بفضل مرونته في التنقل بين الكوميديا السوداء والدراما الاجتماعية. وتلخصت أبرز محطاته التلفزيونية في مشاركته في مسلسل “الاختيار” (1994)، ومسلسل “بين يوم وليلة” (1999). ولم تتوقف رحلة الراحل كمال زرارة عند المحطات الكلاسيكية، بل كان بمثابة “ملح الشاشة” الذي رافق أجيالاً تعلقت بابتسامته منذ الصغر. فبعد مسيرته الطويلة في سلسلة “جحا” التي امتدت بين عامي 1997 و2004، تألق في سلسلة “بيناتنا” (2005)، وواصل صياغة الأمل عبر باقة من الأعمال المتنوعة؛ كان أحد الوجوه البارزة في السلسلة الكوميدية الأشهر “جمعي فاميلي” سنة 2007 للمخرج جعفر قاسم، حيث أظهر طاقة كوميدية رهيبة. حيث أطل في مسلسل “شجرة الصبار” (2012)، تلاها بظهور مميز في السيتكوم الشهير “بيبيش وبيبيشة” الموسم الثالث 2016، ليدخل بعدها مكاتب شركة عبد القادر السيكتور في السلسلة الكوميدية الناجحة “تحت المراقبة” سنة 2017.
واصل تألقه في مسلسل “بساتين البرتقال”، والسلسلة الاجتماعية الكوميدية “طيموشة” عام 2020، بالإضافة إلى السلسلة الساخرة “دقيوس ومقيوس” سنة 2021. كان آخر ظهور له في السباق الرمضاني الأخير من خلال مسلسل “الرباعة” سنة 2026، حيث قدم دوراً مميزاً أثبت فيه كعبه العالي في التمثيل رغم تقدمه في السن.
هذا الزخم التلفزيوني جعل من كمال زرارة قصة وفاء فنية دافئة ترويها الشاشة للأجيال، ويوثقها المبدعون بالصورة والكلمة ليبقى أثره حياً ومحفوراً في الذاكرة الجمعية.
خلال مسيرته الطويلة، حظي كمال زرارة بتقدير واسع من الأسرة الفنية؛ حيث نال عدة جوائز كأحسن ممثل في المهرجانات الوطنية للمسرح المحترف بالجزائر. كما حظيت أعماله بإشادات في مهرجانات دولية في تونس، ومصر، وفرنسا، حيث أشادت الصحافة الفنية الفرانكوفونية في مناسبات عدة بقدرته على الأداء التعبيري الحركي واللغوي.
صدمة رحيل كمال زرارة اليوم إثر سكتة قلبية خلفت حزناً عميقاً وسط الأسرة الفنية والجمهور الجزائري الذي نعاه بقوة عبر منصات التواصل الاجتماعي. ومن المرتقب أن ينقل جثمان الفقيد من الجزائر العاصمة إلى مسقط رأسه بمدينة باتنة، حيث سيوارى الثرى في موكب جنائزي مهيب بحضور عائلته، محبيه، ورفقاء دربه من الفنانين.رحم الله الفنان القدير كمال زرارة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.






