فن

نوال زعتر.. مسيرة فنية ثرية عمرها أكثر من نصف قرن

تعد الفنانة الجزائرية القديرة نوال زعتر أيقونةً ساطعة في سماء الفن الجزائري، وجوهرةً مصقولةً بتجارب السنين وعمق الأداء.

من عبق تاجموت إلى أضواء الشهرة.. ولدت رقية، التي عرفها الجمهور لاحقاً باسم “نوال زعتر”، في السابع والعشرين من مارس عام 1957، في حضن بلدة “تاجموت” بولاية الأغواط العريقة. نشأت في بيئة جزائرية أصيلة، حيث نهلت من قيم الصبر والمثابرة، وهو ما انعكس لاحقاً في شخصيتها القوية التي تمزج بين رقة الأنوثة وعنفوان المرأة الجزائرية المناضلة.

دخلت نوال عالم الفن من أوسع أبوابه وهي لا تزال طالبة في الثانوية في السابعة عشرة من عمرها. كانت انطلاقتها كالشهاب الذي شق ظلام الصمت في فيلم “ريح الجنوب” سنة 1975 للمخرج الراحل محمد سليم رياض، والمقتبس عن رواية عبد الحميد بن هدوقة. اختيرت نوال من بين آلاف الفتيات لتجسد شخصية “نفيسة”، تلك الفتاة التي تمردت على الواقع المرير، فكان أداؤها صادقاً كدموع المظلومين، وقوياً كعواصف الجنوب التي حمل الفيلم اسمها، واستطاعت التمثيل ببراعة والوقوف إلى جانب العمالقة أمثال السيدة كلثوم والعربي زكال وعبد الحليم رايس.

دخلت الإذاعة الوطنية سنة 1982 وشاركت في عدة مسرحيات متلقيةً دعماً من الفنان الكبير محمد ونيش.
لم تكن نوال مجرد ممثلة عابرة، بل كانت فنانةً نحتت اسمها في ذاكرة المشاهد الجزائري عبر عشرات الأدوار المركبة، ومن أبرز محطاتها في السينما تألقها في فيلم “القلعة” سنة 1989، مقدمةً نموذجاً للممثلة القادرة على تطويع مشاعرها لتناسب عمق الشاشة الكبيرة.
أما في الدراما التلفزيونية، فقد حفرت مكانتها بمسلسلات لا تُنسى مثل “اللاعب”، “الوصية”، و”الذكرى الأخيرة”. عُرفت ببراعتها في أداء أدوار المرأة القوية، وأحياناً “الشريرة” بذكاء فني، مما جعلها سيدة من سيدات الشاشة الجزائرية.

وفي الكوميديا لم تغب روحها المرحة عن السلسلات الفكاهية والسيتكومات، مثل “زوجان في حيرة” رفقة القدير عمر ڨندوز، وسلسلة “أعصاب وأوتار”، “ناس ملاح سيتي” و”بوقرون” و”مريومة ونسومة”.

كانت لها عدة عروض مهمة للتمثيل في أعمال فنية بمصر مع كبار المخرجين والممثلين، إلا أنها فضلت أن تقدم إبداعها للمشهد الثقافي الجزائري على مدار السنوات.

توجت مسيرة نوال الحافلة بالعديد من التقديرات التي هي ثمار عطائها المتميز، كان أبرزها حصولها على جائزة “الفنك الذهبي” عن دورها المتميز في مسلسل “اللاعب”، وهو تقدير مستحق لموهبة فذة وهبت حياتها للفن لأكثر من نصف قرن.

تظل نوال زعتر اليوم رمزاً للوفاء للمهنة، فبرغم التحديات وتغير معايير الوسط الفني، بقيت شامخة كأشجار النخيل في موطنها الأصلي، تؤمن بأن الفن كفاح يومي ورسالة تربوية قبل أن يكون مجرد مصدر للعيش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى