فن

مقران آڤاوا.. أسطورة المديح الديني القبائلي

تزخر الذاكرة الفنية والثقافية الجزائرية بأسماء لامعة حفرت هويتها في وجدان الشعب، ومن بين هؤلاء العمالقة يتجلى اسم الشيخ مقران آڤاوا، واسمه الحقيقي محند أمقران واعلي، والذي لم يكن مجرد مؤدٍ عابر، بل كان صوتاً ملائكياً خالصاً، ومايسترو غير متوج للترانيم الروحية والمدائح الدينية، استطاع بنبرته الجهورية القوية الشبيهة بأصوات “التينور” العالمية أن ينقل الأنشودة الصوفية القبائلية التقليدية إلى فضاءات أرحب من العصرنة والإبداع الملتزم.

أبصر مقران آڤاوا النور يوم 23 ماي سنة 1929 في قرية أيت عطلي التابعة لبلدية الأربعاء نايث إيراثن بولاية تيزي وزو. نشأ الشاب مقران في حضن بيئة ريفية عريقة متمسكة بهويتها الإسلامية والأمازيغية، حيث ترعرع على حب الزوايا والكتاتيب القرآنية.

ومنذ طفولته الغضة، لفتت موهبته الفطرية ونبرة صوته الحزينة الآسرة الأنظار، ليتشكل لديه ميل جارف وشغف عميق نحو الأناشيد الدينية، متأثراً بما كان يسمعه في المجمعات الصوفية التقليدية (الخُوّان)، مما جعله يبني أساساً متيناً لهويته الفنية الروحية المستقبلية.

إن التحول الجوهري في مسيرته بدأ مع انتقاله إلى مدينة بجاية عام 1949. هناك، انضم مقران آڤاوا إلى النواة الفنية التأسيسية التي كانت تبث الروح في محطة “راديو بجاية” الإقليمية، حيث نشط فيها بتميز لافت حتى عام 1952. ساهمت هذه التجربة الإذاعية الفريدة في صقل موهبته العالية، واحتكاكه بكبار الموسيقيين والفنانين وعلى رأسهم الشيخ الصادق البجّاوي.

وبعد فترة غياب عن مسقط رأسه امتدت لأزيد من تسع سنوات كاملة، وفي غمرة ذلك البعد الطويل، تحركت مشاعره واشتعلت جذوة الحنين في قلبه، ففاضت قريحته الفنية برائعة غنائية خالدة وثق فيها تعلقه الشديد ببلدته، حيث ألّف وصدح بأغنيته الشهيرة “الأربعاء ناث إيراثن”، وصاغ الشيخ في هذه الأنشودة الوجدانية لوحة موسيقية عابقة بالشوق، معبراً بنبرته الحزينة الآسرة عن رغبته الجامحة وأمنيته الغالية في العودة السريعة إلى أحضان موطنه الأصلي بعد طول غياب.

كانت عودته إلى الساحة الفنية والإذاعية، لا سيما عبر أمواج القناة الإذاعية الثانية الناطقة بالأمازيغية، بمثابة تكريس نهائي لنجوميته، حيث صدح بصوته المتميز مسجلاً صفحات خالدة من التراث الطقوسي العريق.

تجلّت العبقرية الفنية والقدرة الصوتية الخارقة للشيخ مقران آڤاوا خلال زيارته للعاصمة الفرنسية، حيث شهدت إذاعة باريس معجزة موسيقية حقيقية دُوّنت في سجلات إنجازاته الكبرى. ففي ليلة واحدة مستمرة، وبطاقة روحية هائلة لا تعرف الكَلل، وقف الشيخ أمام الميكروفون ليُسجّل 15 أسطوانة كاملة دون توقف. هذا الأداء الاستثنائي لم يكن مجرد تسجيل عابر، بل كان تجسيداً حياً لغزارة إبداعه، وقوة حنجرته الفولاذية التي طوّعت الألحان والكلمات الصوفية في جلسة إبداعية مطوّلة أذهلت مهندسي الصوت والمسؤولين في الإذاعة الفرنسية.

وفي سنوات عمره الأخيرة، شدّ الشيخ الرحال إلى فرنسا ليُحيي حفلاً جماهيرياً تاريخياً ظلّ محفوراً في ذاكرته؛ إذ دخل القاعة وهو لا يتوقع الكثير، ظنّاً منه أن فن المديح الديني والأنشودة الروحية الأمازيغية قد لا يجدان صدىً كبيراً في ديار الغربة. غير أن المفاجأة كانت صاعقة ومبهرة، حيث تدفق حشد غفير وضخم من الجماهير فاق كل التوقعات وضاقت به جنبات القاعة. ولم يقتصر هذا النجاح المدوي على المغتربين الجزائريين فحسب، بل امتد ليشمل الجمهور الأوروبي الذي وقف مشدوهاً أمام طاقة الشيخ الأدائية. ورغم عدم فهمهم للغة الأمازيغية، إلا أن الموسيقى الروحية العميقة والنبرة الوجدانية الصادقة اخترقت قلوبهم، فعبّروا عن إعجابهم الشديد وشكرهم الحار لهذا الفن الإنساني العابر للغات والحدود، والذي أثبت أن صدق العاطفة الدينية يمتلك لغة عالمية يفهمها الجميع.

يمتلك الشيخ رصيداً ضخماً يتجاوز 500 أغنية وأنشودة دينية، سُجل جزء منها على أسطوانات قديمة وفي أرشيف الإذاعة الوطنية. ومن أشهر روائعه الخالدة نجد ألبوماته الشهيرة مثل “أ طير إصاحن” و”لغوث ن زمان” ورائعة “الله الله إذفلاون” التي تفنن العديد من الفنانين في أدائها وإعادة إحيائها من جديد.

تميز أسلوبه الغنائي بالاعتماد على الأداء الجماعي برفقة كورال متميز يجمع بين أصوات نسائية ورجالية تؤدي الردود الطقوسية بدقة متناهية. لقد غدا الشيخ آڤاوا عنصراً لا يستغنى عنه في المجتمع؛ فكان الحاضر الأبرز في المناسبات الدينية كالمولد النبوي الشريف وعاشوراء، وبشكل خاص في المآتم والتعازي.

إذ أنه وصف حضور هذا الرجل بأنه “مواسي ومُعزّي منطقة القبائل”؛ فحينما يصدح صوته الشجي في بيت الميت، كان الحزن العاصف يتراجع ليحل محله السكينة والصبر والرضا بالقضاء والقدر.

حظي الشيخ مقران آڤاوا في حياته وبعد مماته بتقدير رسمي ونخبوي واسع، حيث نظمت له المحافظة السامية للأمازيغية فعاليات تكريمية، مشيدةً بدوره التنويري في تقديم رؤية عقلانية وروحية سمحة للممارسات الدينية التقليدية الموروثة عن الأجداد.

وفي 12 سبتمبر 2009، ترجل الفارس عن صهوة الحياة عن عمر يناهز 80 عاماً في منزله العائلي بمسقطه بقرية أيت عطلي. شُيع جثمانه الطاهر في جنازة مهيبة حضرها حشد غفير من المداحين، الفنانين والمحبين، تاركاً وراءه إرثاً فنياً وروحياً لا يندثر، ومدرسة قائمة بذاتها في فن المديح الأمازيغي، ما زالت الأجيال الجديدة تتدارس أبعادها وتطالب بحماية وحفظ هذا الكنز الصوتي الفريد من النسيان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى