الفنان عثماني… عملاق الأغنية القبائلية الملتزمة

المطرب القدير عثماني هو أحد عمالقة الأغنية القبائلية الملتزمة، والحارس الأمين للموروث القبائلي، والفنان الثائر الذي لم تكن آلة المندول بين يديه مجرد أداة للعزف، بل سلاحًا لغويًا وفنيًا صهر به آلام التهميش والأضغاط وصاغ منه أناشيد الهوية الخالدة التي تتوارثها الأجيال بكل فخر واعتزاز.
في ربوع قرية “زكنون” الساحرة والآمنة، القابعة بأعالي منطقة آث واسيف بولاية تيزي وزو، أبصر محمد آيت عثمان المعروف فنياً باسم عثماني، النور في 11 سبتمبر 1945.
ترعرع الفتى اليقظ بين أحضان الطبيعة العذراء لجبال جرجرة الشامخة، والتي لم تكن مجرد تضاريس جغرافية، بل غدت المصدر الأزلي لإلهامه الفني والشعري. في هذه البيئة التقليدية والمحافظة، تشرّب عثماني الموروث الثقافي الشفهي الأمازيغي، وبدأ يتلمس طريقه نحو الكلمة الموزونة واللحن الشجي الذي يحاكي آلام وآمال بيئته القاسية والمضيافة في آن واحد.
لم تكن بداية عثماني الفنية مفروشة بالورود، بل ولدت من رحم المعاناة الصعبة؛ فبين عامي 1965 و1967، اضطر لدخول مصحة “سيدي بالوا” للعلاج، وهناك، بين جدران المشفى الهادئة، خطّ أولى كلماته ولحن أولى قصائده العاطفية والاجتماعية. وفي سنة 1968، سجل منعرجه الحاسم ببث أغنيته الشهيرة “Tebghidiyi i yi bghighkem” (أحببتني وأحببتك) عبر أثير الإذاعة الوطنية في القناة الثانية، متبوعاً بتعاون فني مثمر مع القامة الفنية الكبيرة كمال حمادي.
ومع مطلع السبعينات، استقر الفنان بالبليدة ليتعاون مع كوكبة من أقطاب الكلمة مثل محمد بن حنافي ومحمد بن مهوب، قبل أن ينطلق في جولات فنية ناجحة بالجزائر العاصمة في قاعات الموقار، ابن خلدون، والأطلس عام 1971 تحت لواء “الشعر والغناء القبائلي”، لتصدح حجرته القوية وصوت العود الشجي في قلوب الجماهير.
يُصنّف الفنان عثماني ضمن الرعيل الأول من عمالقة الأغنية القبائلية الملتزمة، مقتفياً أثر الأساتذة الكبار مثل سليمان عازم، الشيخ الحسناوي، وشريف خدام.
زخرت مسيرته بإصدار أكثر من 16 ألبوماً غنائياً تميزت بالعمق السياسي والاجتماعي والتاريخي. ولم يكن الفن بالنسبة له وسيلة للترفيه، بل سلاحاً ثقافياً ومنابر نضالية؛ حيث جهر بالدفاع عن المكون التراثي الممتد في أغنيته الشهيرة “Ayarraw Imazighen” (أبناء الأمازيغ) عام 1981، كما وثّق الذاكرة الأليمة للوطن من خلال أعماله التضامنية مثل أغنية Lasnam “لصنام” المهدية لضحايا زلزال الشلف المدمر.
عُرف عثماني بنصوصه المترعة بالنعوت الجمالية الرصينة، والتشبيهات المستوحاة من شموخ الجبل وصمود الروح الإنسانية في وجه التهميش والاغتراب، ومن أشهر روائعه “Lmektub a bu tlufa” (القدر ذو المحن)، “Ur setehagh” (لم أستحي)، “Trebayid lmehna” (ربتني المحنة)، “Awi ttrun” (يا من بكى)، “Yemma tezlayi” (ذبحتني أمي)، “A Tamurt-iw” (يا بلادي)… وأغاني أخرى رددتها أجيال و لا تزال و تبقى راسخة في السجل الفني الأصيل.
من أجمل اللوحات الفنية الإنسانية التي طبعت مسيرة الشيخ عثماني في سنوات عطائه المتقدمة، هي مشاركته الغناء واعتلاء المسارح برفقة أبنائه، الذين ورثوا عنه مشعل الفن الأصيل، محولاً الحفلات العائلية إلى جسر تواصل متين بين جيل الأجداد الأوفياء وجيل الشباب المتطلع للعصرنة. وتقديراً لهذا العطاء الممتد لعقود طويلة، حظي الفنان القدير بتكريمات رسمية وشعبية مهيبة ومؤثرة، أبرزها التكريم الثقافي الكبير الذي أقيم على شرفه بمسقط رأسه بتيزي وزو، وسط حضور غفير من الأسرة الفنية والمحبين الذين توافدوا للاحتفاء برمز حي من رموز الأصالة الاستثنائية.
اليوم، يتربع “عثماني” على مكانة مرموقة ورفيعة في المشهد الموسيقي الجزائري، باعتباره حارس الذاكرة الأمين، والفنان الذي صهر آلام المجتمع في قوالب لحنية عذبة دامت وستدوم طويلاً في ذاكرة الأجيال.







