فن

هواري عوينات.. أيقونة البهجة في زمن عصيب

هواري عوينات هو أحد أبرز أعمدة الأغنية الشعبية الفكاهية في الجزائر، وفنان متكامل نجح في زرع البهجة في قلوب الجزائريين خلال أصعب الفترات التاريخية. عُرف بإطلالته الفريدة القائمة على “الجلابة” التقليدية و”الشاشية” المرقطة، تاركاً وراءه إرثاً موسيقياً مميزاً يمزج بين التراث الجزائري الوهراني والطابع المغربي الراقص.

شهدت مدينة وهران العريقة، وتحديداً في الأول من أبريل عام 1947، ميلاد الطفل هواري عوينات. نشأ هذا الصبي الشغوف في أزقة “الباهية” وسط عائلة تذوقت الفن بمختلف أشكاله. تميزت طفولته المبكرة بحسّ إبداعي متقد؛ فلم تكن موهبته مقتصرة على الموسيقى فحسب، بل بدت واضحة في ميله المبكر نحو الرسم، ومداعبته لفنون الفكاهة الشعبية والمسرح الارتجالي، مما ساهم في صقل شخصيته الفنية المتعددة الأبعاد قبل أن يستقر على احتراف الغناء.

انطلقت المسيرة الاحترافية الحقيقية للفنان الراحل في تسعينيات القرن الماضي، وهي الحقبة التي عُرفت بـ “العشرية السوداء” في تاريخ الجزائر. وفي الوقت الذي خيم فيه الحزن، اختار عوينات أن يكون سفيراً للأمل والابتسامة؛ حيث فرض أسلوبه الاستعراضي الخفيف المعتمد على “الطابع المغربي” الوجدي والتلمساني الراقص. لم يكن مجرد مؤدٍّ، بل كان فناناً استعراضياً يربط الألحان الشجية برقصات متناسقة وحركات رشيقة على المسرح، مرتدياً لِباسه الأيقوني المتمثل في العباءة المخططة والحقيبة الجلدية المائلتين، مما جعله يدخل مباشرة إلى قلوب العائلات الجزائرية.

حفل الرصيد الفني لهواري عوينات بالعديد من الأغاني الشعبية الخفيفة التي رددتها الأجيال، ومن أبرزها: “الغزالة عيشة” الأغنية الشهيرة التي تغنى فيها بالمرأة وحققت انتشاراً واسعاً، أغنية “سعدية”، “مشمومة الياسمين”، “فلان وفلان” رائعة فنية فكاهية قدمها عام 1992، “تان وتاني”…

رغم أن عوينات كان مقلاً في الظهور في سنواته الأخيرة وتوارى نسبياً عن الأضواء، إلا أن الدولة الجزائرية لم تنسَ عطاءه؛ حيث حظي بتكريمات رسمية من قِبل وزارة الثقافة والديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة (ONDA). تكمن القيمة الحقيقية لإرثه الفني في كونه الفنان المتكامل الذي قاوم الموت بالفرح، وتذكره منصات الإعلام الفنية مثل موقع الإذاعة الجزائرية وتقارير جريدة الشروق كرمز من رموز الثقافة الشعبية الذين طبعوا الذاكرة الجماعية بروح التواضع والقرب من البسطاء.

في أواخر حياته، داهم الفنان الراحل مرض عُضال وخبيث على مستوى الرئة (سرطان الرئة). قاوم المرض بصبر وشجاعة وتنقل بين مستشفيات مدينة ليون الفرنسية ومستشفى الأمن الوطني بوهران. وفي ليلة الجمعة 29 يوليو 2017، سلم عوينات روحه للباري عن عمر ناهز 70 عاماً. شُيعت جنازته في موكب مهيب حضره رفقاء دربه من الفنانين والمواطنين، حيث ووري الثرى بمقبرة “عين البيضاء” بوهران، مخلفاً وراءه حزناً عميقاً، وصورة ناصعة لفنان وهب حياته لنشر السعادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى