فن

سيدة الشاشة الجزائرية شافية بوذراع.. إرث فني لا يموت

تعتبر الفنانة القديرة شافية بوذراع عميدة الممثلات الجزائريات، وسيدة الشاشة والمسرح بلا منازع. إنها الأيقونة الخالدة التي اختزلت في ملامحها الشامخة ونبرة صوتها الهادئة والقوية معاناة المرأة الإفريقية والعربية والجزائرية، مخلفة وراءها مشواراً فنياً ثرياً وإرثاً إبداعياً شامخاً تنهل منه الأجيال الصاعدة.

أبصرت هذه السيدة الاستثنائية نور الحياة في 22 أفريل 1930 بمدينة الجسور المعلقة، “قسنطينة” العريقة. ولدت باسم “عتيقة لطرش” ونشأت في كنف بيئة قسنطينية تفيض بالأصالة. غير أن حياتها لم تكن مفروشة بالورود؛ فقد تزوجت من المناضل الشهيد القائد “صلاح بوذراع” (المعروف في الولاية السادسة التاريخية)، والذي سقط في ميدان الشرف مقبلاً غير مدبر عام 1960 خلال الثورة التحريرية المجيدة، تاركاً خلفه أرملة شابة يثقل كاهلها عبء تربية عائلة كبيرة تتكون من أحد عشر طفلاً.

بعد نيل الجزائر استقلالها الغالي، وتحديداً في عام 1964، حطت الأم المكافحة رحالها في العاصمة بحثاً عن لقمة العيش الكريمة. تجسدت في عتيقة لطرش صفات الأم الشجاعة؛ فمارست مهناً شاقة ومتعددة لتلبية احتياجات أبنائها، فاشتغلت ممرضةً، وموظفة مقسم هاتف، قبل أن يقودها قدرها الفني الواعد إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون الوطني، ومن ثم الوقوف بثبات على خشبة المسرح الوطني الجزائري كممثلة واعدة تفجّر طاقات إبداعية دفينة.

جاءت نقطة التحول التاريخية في مسيرتها الفنية في مطلع السبعينيات، عندما اختارها المخرج الفذ مصطفى بديع لتجسيد دور “لالة عيني” في المسلسل الأسطوري الخالد “الحريق”، المقتبس عن ثلاثية الروائي العالمي محمد ديب. بعبقريتها الفطرية وأدائها الصادق الخالي من التكلف، نجحت في تقمص شخصية المرأة التي تحارب البؤس والجوع والاضطهاد الاستعماري في “دار السبيطار” لحماية عائلتها. هذا الدور لم يكن مجرد نجاح عابر، بل تحول إلى علامة فارقة جعلت من “لالة عيني” أماً رمزية لكل الجزائريين، وشخصية محفورة في الذاكرة الجماعية الوطنية.

أثبتت شافية بوذراع أنها ممثلة عابرة للأجيال والحدود، وتوالت روائعها السينمائية والمسرحية لتجسد دائماً صورة المرأة القوية والمؤثرة. فقدمت للسينما الجزائرية روائع خالدة مثل: فيلم “ليلى والأخريات” للمخرج سيد علي مازيف سنة 1977، والذي ناقش بجرأة واقع حقوق المرأة، فيلم “هروب حسن طرو” سنة 1974 و”امرأة لابني” سنة 1982. وكذلك التجربة العالمية في فيلم “شاي بالنعناع” سنة 1985 للمخرج عبد الكريم بهلول. وأيضاً ذروة تألقها العالمي في فيلم “خارجون عن القانون” سنة 2010 للمخرج رشيد بوشارب، حيث صعدت ابنة قسنطينة أدراج مهرجان “كان” السينمائي الدولي وهي في الثمانين من عمرها، ونال الفيلم ترشيحاً رسمياً لجائزة الأوسكار العالمي.

بعد مسيرة إبداعية حافلة ومبهرة امتدت لأكثر من نصف قرن من العطاء المخلص، ترجلت سيدة الشاشة الجزائرية عن صهوة الحياة. ففي 22 ماي 2022، بالعاصمة الجزائر، أسلمت الفنانة القديرة شافية بوذراع الروح لبارئها عن عمر ناهز 92 عاماً، بعد صراع مرير وهادئ مع المرض. وُورِي جثمانها الطاهر الثرى بمقبرة العالية وسط أجواء مهيبة من الحزن والأسى الرسمي والشعبي، لترحل عتيقة لطرش بجسدها، لكنها تظل مشرقة ومثبتة في الذاكرة الحية كرمز للثقافة والأصالة، وكأيقونة الزمن الجميل التي علمت الأجيال معنى الصبر، الشرف، والفن الملتزم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى