فن

شحرورة وهران “صباح الصغيرة”.. اللؤلؤة المتوهجة في سماء الفن الجزائري والعربي

تمر السنين وتبقى الأسماء الكبيرة محفورة في ذاكرة الشعوب. من قلب الغرب الجزائري النابض بالثقافة، انبعث صوت شجيّ مفعم بالأصالة ليصنع لنفسه مكاناً رفيعاً بين العمالقة. إنها فاطمة الزهراء بن ثابت، التي عرفها الجمهور الجزائري والعربي بلقبها الفني “صباح الصغيرة” أو “صباح الجزائرية”؛ الأيقونة الاستثنائية التي طوّعت الغناء والمسرح، السينما والتلفزيون، لتغدو سفيرة الأغنية الوهرانية الأصيلة بلا منازع.

أبصرت فاطمة الزهراء النور في 11 أوت 1952 بمدينة وهران العريقة، تلك المدينة الملهمة التي تنفست فيها الفن منذ نعومة أظافرها. برزت موهبتها الفطرية النادرة وصوتها البلوري العذب خلال الأيام المدرسية الأولى.

ولم تكن هذه الموهبة لتمُر دون أن تلفت انتباه الكاتب والشاعر الفذ عمر البرناوي، الذي احتضنها وقدم لها هديتها الغنائية الأولى؛ الأغنية الوجدانية الشهيرة “يا عمري”، التي كانت بمثابة تأشيرة عبورها الرسمية إلى قلوب الجماهير.

حظيت الشحرورة الوهرانية بفرصة ذهبية نادراً ما تتكرر، حيث تلقت الدعم الكامل والرعاية الفنية الموسعة من قطبي الموسيقى الجزائرية وأعمدة الفن الوهراني: الموسيقار الراحل بلاوي الهواري والفنان القدير أحمد وهبي. بفضل توجيهاتهما الصارمة وإيمانهم العميق بخامتها الصوتية الفريدة، أبدعت صباح في تقديم الراي النظيف والأغنية البدوية والوهرانية الكلاسيكية، لتصبح نجمة ساطعة في سماء الطرب الجزائري.

ولم تنحصر شهرتها داخل الحدود الوطنية، بل سافر صوتها الشجي إلى مختلف أنحاء الوطن العربي. ففي دولة الكويت ومهرجانات الخليج، أطربت الجماهير الذواقة برائعتيها التراثيتين “الخمري ياما” و”آه يا الأسمر”، تاركةً بصمة جزائرية لا تُنسى في سجلات الفن العربي الجميل.

قررت الفراشة الوهرانية المتألقة خوض غمار تجربة جديدة تبرز طاقاتها الدرامية الدفينة؛ فدخلت عالم التمثيل من بابه الواسع عبر خشبة المسرح الجهوي لوهران. هناك، قدمت أداءً مسرحياً مبهراً تميز بالجرأة والمحاكاة الواقعية، ومثلت في روائع خالدة مثل مسرحية “ادي ولا خلي” للمؤلف الراحل حجوطي بوعلام، بالإضافة إلى الأعمال المسرحية المتميزة “الأمخاخ” و”المحقور”، حيث أثبتت لنقاد المسرح أنها ممثلة بارعة تمتلك أدوات تعبيرية خارقة.

طموح صباح الصغيرة لم يتوقف عند حدود المسرح؛ بل امتدت نجوميتها لتنير الشاشة الفضية والسينما الذهبية. شاركت في أعمال سينمائية جزائرية ثقيلة طبعت تاريخ الفن السابع، أبرزها الفيلم الدرامي “صمت الرماد” وفيلم “تجار الأحلام” سنة 1977 حيث وقفت بندية واحترافية عالية أمام قامة السينما الجزائرية العملاق الراحل سيد علي كويرات. أما في الدراما التلفزيونية، فقد حفرت اسمها بأحرف من ذهب في الذاكرة الجماعية للجزائريين من خلال دورها المؤثر في المسلسل الدرامي الشهير “المصير” سنة 1992، الذي وقّعه المخرج الكبير الراحل جمال فزاز، حيث زاوجت بين ملامحها الطيبة وأدائها التراجيدي الصادق.

بعد مسيرة إبداعية حافلة بالعطاء والتضحيات، واجهت الأيقونة صراعاً مريراً وصبوراً مع المرض، لترحل عن عالمنا يوم 20 ماي 2005 عن عمر ناهز الـ 53 عاماً، تاركةً خلفها إرثاً فنيّاً زاخراً ومتنوعاً يرفض النسيان. رغم مرور أكثر من عشرين عاماً على رحيلها، إلا أن عطرها الفني ما زال فواحاً في أزقة وهران وفي وجدان كل جزائري وعربي يعشق الفن الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى