أخبار

اليامين زروال.. رجل الدولة الذي عبر بالجزائر جسر الأمان

يعد الرئيس الراحل اليامين زروال واحداً من أبرز القادة العسكريين والسياسيين في تاريخ الجزائر الحديث. عُرف بلقب “رجل المهام الصعبة” و”صاحب الأنفة”، وهو القائد الذي تولى زمام الأمور في أحلك الظروف التي مرت بها البلاد، فاستطاع بحنكته وثباته وضع اللبنات الأولى لاستعادة السلم والاستقرار.

ولد اليامين زروال سنة 1941 بمدينة باتنة عاصمة الأوراس وقلب الثورة التحريرية المجيدة. نشأ في بيئة وطنية بامتياز، ولم يتردد في تلبية نداء الوطن وهو في ريعان شبابه؛ حيث التحق بصفوف جيش التحرير الوطني عام 1957 وعمره لم يتجاوز 16 عاماً، ليشارك في معارك الشرف ضد الاستعمار الفرنسي في الولاية الأولى التاريخية.

بعد الاستقلال، واصل زروال مسيرته في صفوف الجيش الوطني الشعبي، حيث تلقى تكويناً عسكرياً عالياً في كل من الاتحاد السوفياتي وفرنسا. تقلد عدة مناصب قيادية هامة، منها قائداً للمدرسة العسكرية لشرشال سنة 1981، وقائد للناحية العسكرية السادسة سنة 1982 ثم الثالثة والخامسة، كما تولى منصب قائد للقوات البرية برتبة لواء سنة 1988.

في ذروة الأزمة الأمنية والسياسية التي عاشتها الجزائر، استُدعي زروال مجدداً لخدمة الوطن؛ ففي جويلية سنة 1993 تم تعيينه وزيراً للدفاع الوطني، وفي 30 جانفي 1994 تم اختياره من قبل المجلس الأعلى للأمن ليكون رئيساً للدولة لفترة انتقالية مدتها 3 سنوات، وفي 16 نوفمبر 1995 قام بتنظيم أول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ الجزائر، والتي فاز بها بنسبة 61%، ليمد يده للجميع تحت شعار “الحوار الوطني”.

تميزت فترة حكمه بسلسلة من الخطوات المفصلية، فقد أقر تعديلاً دستورياً عميقاً سنة 1996 حدد فيه العهدات الرئاسية بعهدة واحدة قابلة للتجديد مرة واحدة، وأنشأ “مجلس الأمة” لضمان التوازن التشريعي.

كما أقر قانون “الرحمة” أي بادر بفتح باب العودة لمن ضلوا الطريق من أجل حقن دماء الجزائريين، وهو التوجه الذي مهد لاحقاً لمسار الوئام المدني.

وعلى المستوى الدولي، حافظ على سيادة القرار الجزائري ورفض التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي رغم الضغوط الدولية الكبيرة آنذاك.

وفي خطوة فاجأت الجميع، أعلن الرئيس اليامين زروال في 11 سبتمبر 1998 عن تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة وتقليص عهدته، مؤكداً على مبدأ التداول السلمي على السلطة. وفي 27 أفريل 1999، سلم السلطة لخلفه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة في مشهد حضاري نادر في المنطقة العربية.

ومنذ مغادرته قصر المرادية، اعتزل اليامين زروال العمل السياسي المباشر، وفضل العيش في منزله المتواضع بباتنة بين أهله، مبتعداً عن الأضواء والامتيازات، وهو ما زاد من رصيد محبته في قلوب الجزائريين الذين يرون فيه نموذجاً للنزاهة والإخلاص للوطن.

توفي الرئيس الراحل اليامين زروال مساء يوم السبت 28 مارس 2026 بالمستشفى العسكري “محمد الصغير نقاش” بعين النعجة في العاصمة، بعد صراع مرير مع مرض عضال عن عمر ناهز 85 سنة. وبذلك أعلنت الرئاسة حداداً وطنياً لمدة 3 أيام ابتداءً من اليوم الأحد، مع تنكيس الأعلام الوطنية عبر كافة التراب الوطني والممثليات الدبلوماسية بالخارج. ويتم وضع جثمان الفقيد بقصر الشعب بالجزائر العاصمة لإلقاء النظرة الأخيرة ابتداءً من منتصف نهار اليوم الأحد. وستُقام جنازة الفقيد غداً الاثنين بمسقط رأسه في مدينة باتنة.

وبذلك، تُعزي الجزائر رحيله اليوم أحد أبرز رموزها التاريخيين الذين قادوا البلاد بحكمة في أصعب مراحلها التاريخية. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى