أسطورة الشعبي الهاشمي ڨروابي.. إرثٌ خالد وعصرنة لا تموت

يُعد الشيخ الهاشمي ڨروابي المحرك الأساسي لمفهوم الجمالية والعصرنة في موسيقى الشعبي العاصمية. لُقّب بـ “العندليب” و”قاضي الأغنية الشعبية” إذ طوّر أهذا الفن ليخرج من المقاهي الشعبية الضيقة إلى كبرى المسارح العالمية والوطنية.
ولد الهاشمي قروابي في 6 جانفي سنة 1938 بالحي العتيق “المرادية” بالجزائر العاصمة، ونشأ في حي “بلكور” الشعبي. في شبابه، كان شغوفاً بكرة القدم ولعب كجناح أيمن لنادي “ريدوت AC”، وكان مناصراً وفياً وعاشقاً لنادي “اتحاد العاصمة”. لكن سحر الموسيقى انتزعه من الملاعب في مطلع الخمسينيات، حيث تأثر كثيراً بالمشايخ الكبار مثل الحاج مريزق ومحمد زربوط.
والتحق بأوبرا الجزائر عامي 1953 و1954 كممثل ومغنٍّ، حيث أبدع في أداء رائعة “مقرونة الحواجب”، نال أولى جوائزه في قاعة “الميوزيك هول العرابي”، حيث برزت موهبته الفذة ليس فقط كمغنٍّ بل كممثل مسرحي أيضاً في فرق “محي الدين بشطارزي”. ليتأكد الجميع أن ساحة الفن الجزائري على موعد مع ولادة نجم من طراز رفيع.
رغم تمكن ڨروابي من الأنماط التقليدية وإتقانه للمدائح الدينية والقصائد التراثية الطويلة للشعراء لخضر بن خلوف، بن مسايب، والمغراوي، إلا أنه كان يطمح لتقريب الشعبي من فئة الشباب التي بدأت تستهويها الموسيقى الغربية والشرقية الحديثة.
هنا حدث اللقاء التاريخي والمنعطف الأكبر في مسيرته مع الملحن والشاعر العبقري محبوب باتي. هذا الثنائي شكل مختبراً إبداعياً غيّر ملامح الأغنية الشعبية؛ حيث قدم له باتي أغاني قصيرة وخفيفة “شعر الحوزي والعروبي المطور” تعتمد على إيقاعات حيوية وصياغة لحنية مبتكرة. أثمر هذا التعاون روائع خالدة هزت الساحة الفنية آنذاك، وصارت تُردد في كل مكان: البارح، وحداني غريب، مالطا، يا الورقة، القرصان التائه، جاية من الحمام، الحراز، غالط في حسابك، حكمت، عفست على قلبي ورضيت … وغيرها.
لم ينحصر صدى صوت قروابي داخل حدود الوطن، بل كان سفيراً فوق العادة للثقافة الجزائرية. أحيا الفنان مئات الحفلات والمهرجانات في مختلف الولايات الجزائرية، وكانت سهراته في مسرح الهواء الطلق “سيدي فرج” أو “قاعة الأطلس” و”المسرح الوطني” تحشد آلاف المحبين.
وعلى الصعيد الدولي، طار قروابي بالثقافة الجزائرية نحو ضفاف عديدة، حيث أحيا حفلات متميزة في فرنسا خاصة في قاعات باريس الشهيرة التي غصت بالجالية الجزائرية والمغاربية، في المغرب وتونس ضمن أسابيع ثقافية ومهرجانات موسيقية مغاربية، وكذلك في المشرق العربي حيث شارك في جولات فنية شملت مصر وسوريا، وأيضاً في أوروبا وكندا في إطار الحفلات الموجهة للجاليات وشرح أبعاد الموسيقى التراثية الجزائرية.
حظي الشيخ الهاشمي ڨروابي خلال مسيرته الطويلة بتقدير رسمي وشعبي واسع، وتُوج بالعديد من الأوسمة والجوائز، من أبرزها: وسام الاستحقاق الوطني من مصاف الاستحقاق الثقافي تقديراً لإسهاماته في الحفاظ على الهوية الموسيقية. إضافة إلى تكريمات خاصة من وزارة الثقافة الجزائرية والديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة في عدة مناسبات ومهرجانات وطنية.
بعد رحيله، وتخليداً لإرثه، أطلقت وزارة الثقافة بالتنسيق مع الجمعيات الثقافية “الصالون الوطني لأغنية الشعبي – جائزة الهاشمي قروابي الكبرى”، والتي أصبحت موعداً سنوياً هاماً لاكتشاف المواهب الشابة ودعمها للسير على خطى قاضي أغنية الشعبي.
في سنواته الأخيرة، عانى الشيخ من مضاعفات مرض السكري التي أبعدته نسبياً عن الركح، لكنها لم تبعده عن قلوب عشاقه. وفي 17 جويلية 2006، ببلدية زرالدة بالعاصمة، ترجل الفارس عن صهوة الحياة عن عمر يناهز 68 عاماً، مخلفاً وراءه حزناً عميقاً في الشارع الجزائري. ووُري ثراه في مقبرة “سيدي امحمد” بحضور شعبي ورسمي مهيب يليق بمقامه. رحل الهاشمي ڨروابي جسداً، لكنه ترك رصيداً وثائقياً وفنياً يتجاوز مئات التسجيلات من الروائع ليبقى حياً في الذاكرة الجماعية كرمز للأناقة، الأصالة، والتجديد الفني.









