معطوب لوناس.. المتمرد

لم يكن معطوب لوناس مجرد مغنٍ يطرب الجماهير بنغمات آلة المندول، بل كان ثورة فكرية وثقافية متنقلة. في تاريخ الفن الجزائري والعالمي، يبرز اسم “المتمرد” كأحد أعظم الرموز الملتزمة التي دفعت حياتها ثمناً للكلمة الحرة والدفاع عن الهوية الأمازيغية والحرية والديمقراطية. ورغم رحيله الغادر، لا يزال صوته يتردد كنشيد للكرامة يتوارثه الأجيال.
ولد لوناس معطوب في 24 جانفي 1956 بقرية “تاوريرت موسى” التابعة لبلدية آيت دوالة بولاية تيزي وزو، في قلب منطقة القبائل. نشأ في ظروف قاسية تزامنت مع اندلاع الثورة التحريرية الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. هذا المحيط الجبلي المشبع بقيم التحدي، والقصص التي تشربها عن تضحيات الشهداء، صقلت شخصيته منذ الصغر وجعلت منه صوتاً يرفض الخنوع.
بدأ شغف معطوب بالموسيقى مبكراً جداً؛ وبسبب العوز، صنع قيثارته الأولى بنفسه في سن التاسعة مستخدماً علبة قصديرية لزيت السيارات وعصا خشبية وخيوط صيد السمك.في عام 1978، أصدر ألبومه الأول بعنوان “Ay Izem” (أيها الأسد) والذي حقق نجاحاً باهراً وغير متوقع. اعتمد معطوب في موسيقاه على مزيج فريد بين الطابع الشعبي العاصمي والموسيقى القبائلية التقليدية، مستخدماً صوته الجهوري والعميق ليمرر نصوصاً شعرية بالغة القوة والتعقيد.
تميز فكر معطوب لوناس بالوضوح التام والشجاعة النادرة في طرح الأفكار؛ حيث كان ينادي علناً بالهوية الأمازيغية وإيمانه بأن تمزيغ الجزائر وشمال إفريقيا قضية وجودية لا تقبل المساومة. مع مناهضة التطرف والاستبداد، وقف خطاً أحمراً وحيداً في وجه النظام السياسي والجماعات الإرهابية المسلحة خلال العشرية السوداء. وكان معطوب يستحضر دائماً مقولة صديقه الكاتب الراحل طاهر جاووط: “إذا تكلمت تموت وإذا سكتت تموت، إذن تكلم ومت”.
دفع “المتمرد” ضريبة قاسية جداً بسبب مواقفه؛ ففي أكتوبر 1988، وأثناء توزيعه لمنشورات تدعم الانتفاضة الشعبية، أطلق عليه شرطي وابلًا من الرصاص، مما تسبب في إصابته بـ 5 رصاصات خطيرة خضع إثرها لـ 17 عملية جراحية وقضى سنوات في المستشفيات بين الجزائر وفرنسا. ولم تتوقف معاناته هنا، ففي سبتمبر 1994، اختطفته “الجماعة الإسلامية المسلحة” (GIA) وحكمت عليه بالإعدام، ليمضي عدة أسابيع تحت التهديد بالموت قبل أن تطلق سراحه تحت ضغط المظاهرات الشعبية العارمة التي هددت بهدم الأخضر واليابس إن مُسّ فنانهم بسوء.
ترك معطوب رصيداً موسيقياً زاخراً وثق فيه آلام المجتمع الجزائري، ومن أبرز أعماله “L’Hymne à la liberté” (نشيد الحرية) و”كنزة” الأغنية المفجعة التي رثى فيها الكاتب طاهر جاووت وضحايا الإرهاب، و”Lettre ouverte aux…” (رسالة مفتوحة إلى…) ألبومه الأخير والسياسي الجريء الذي صدر قبيل اغتياله. وروائع أخرى صدح بها صوته “سلاعفيتس ايابحري”، “ايذورار اذلعمريو”، “الله أكبر”، وغيرها.
أما حفلاته، فقد تحولت إلى مظاهرات سياسية وثقافية ضخمة؛ واعتبرت حفلاته على مسارح باريس الشهيرة مثل “الزِنِيت” (Le Zénith) والأولمبيا” (L’Olympia) محطات تاريخية التف حولها عشرات الآلاف من المغتربين، حيث أطلق منها مواقفه السياسية الأكثر راديكالية.
تجاوزت شهرة معطوب حدود الفن لتصنع منه “أيقونة” في وجدان محبيه بمنطقة القبائل والجزائر. كان الجمهور يرى فيه لسان حالهم الذي يصرخ بالحق والمستعد للتضحية بنفسه؛ ولم يكن مجرد مؤدٍ، بل كان قائداً روحياً للشباب الطامح للتغيير والحرية.
في 25 جوان 1998، وبينما كان يقود سيارته رفقة عائلته عائداً إلى قريته، تعرض لوناس لعملية اغتيال وحشية عند حاجز طرقي بـ “ثالة بونان” قرب تيزي وزو. أمطره المسلحون بـ 78 رصاصة استقرت في جسده وسيارته ليفارق الحياة فوراً عن عمر ناهز 42 عاماً. رغم إعلان “الجماعة الإسلامية المسلحة” مسؤوليتها عن العملية، إلا أن الشكوك والاتهامات من طرف عائلته ومحبيه ظلت تحوم حول تدبير جهات رفيعة في السلطة للتخلص من صوته المزعج.
تسبب اغتياله في اندلاع مواجهات دامية ومظاهرات عارمة شلت منطقة القبائل لأسابيع، وشُيّع في جنازة مهيبة حضرها مئات الآلاف. رحل معطوب لوناس جسداً، لكنه تربع عرش الخلود الفني، ليثبت أن الرصاص يمكنه اختراق الجسد، لكنه يعجز تماماً عن قتل الأفكار.






