فن

الغازي.. قيثارة الفن الجزائري العصري وصوت الزمن الجميل

لم يكن الفن بالنسبة له مجرد هواية، بل كان رسالة مشبعة بعبق التاريخ وتراث الأجداد. بوعروج الغازي، أو “الغازي” كما عرفه الجمهور الجزائري بصوته الفريد وقيثارته التي لم تكن تفارقه، يعد واحدًا من أبرز قامات الأغنية الجزائرية الحديثة خلال فترة السبعينات؛ تلك الحقبة الذهبية التي ترك فيها بصمة لا تُمحى في المشهد الموسيقي لبلادنا.

في السادس من أكتوبر 1942، أبصر الغازي النور في مدينة بجاية المضيافة عاصمة الحماديين التاريخية، وترعرع في حي “باب اللوز” العتيق، وتابع دراسته في مدرسة “عمور”. نشأ في عائلة مثقفة ومحافظة على التقاليد، وكان لوالده الإطار في إدارة المالية دور كبير في إحاطة الأسرة المتكونة من خمسة ذكور وابنتين بالرعاية والدفء. وبفضل امتلاك عائلته لمنزل بالعاصمة، كان الشاب الغازي دائم التنقل بين بجاية والجزائر العاصمة، مما وسّع آفاقه الثقافية مبكرا.

تشبع الغازي من النبع الفني الصافي لمدينته التي أنجبت الشيخ الصادق البجّاوي، القطب الفني الذي كوّن أجيالاً من الفنانين. وكان المنعطف التجريبي الأول للغازي عام 1956، حين شارك في البرنامج الشهير “ميوزيك هول” لـ “إذاعة الجزائر”.

وأمام قامات فنية كبرى كانت ترعى البرنامج مثل فضيلة الدزيرية، محمد العماري، بوجمعة العنقيس، وبقيادة المايسترو مصطفى اسكندراني، أدى الغازي أغنية “أهدت لي الوردة محبوبت قلبي” للمطربة لطيفة، لينتزع الجائزة الأولى بجدارة. هذا التألق لفت إليه أنظار الشيخ الصادق البجّاوي الذي ضمه فورًا إلى فرقته، ليحتكّ بأسماء لامعة مثل مقران آڤاوا، الموهوب، وعبد الوهاب البجاوي.

تلقى الغازي مبادئ العزف على القيثارة على يد الشيخ عبد الوهاب البجاوي، لتصبح رفيقته في رحلاته الفنية، ومنها جولة تاريخية إلى تلمسان عام 1959. وفي أوج شبابه، أدى أغاني ناجحة حاكت العصر مثل “شوينغوم”، “هولا هوب”، و”كيكوش”.

بعد الاستقلال، وتحديدًا في سن العشرين، انضم إلى فرقة ضمت صديقه الموسيقار والمفتش اللامع إبان الثورة التحريرية مصطفى سحنون، وتحت إدارة عماري معمر. وظّف الغازي موهبته لاحقًا في الفرقة الصوتية للإذاعة، حيث حظي بدعم كبير من زهير عبد اللطيف مسؤول برنامج الأطفال “جنة الأطفال”. وكتب له مصطفى سحنون أغنية “نعيمة يا بنت الجار” التي عرّفت الجمهور العريض به، لكن الانطلاقة الحقيقية نحو النجومية كانت عام 1967 بأغنية “ماحلى دي العشية” التي كتبها شيخه الصادق البجاوي، وتبعتها روائع مثل “حمام جاني” و”يا صديق” من كلمات محمد عجايمي. وفي عام 1972، دخل الغازي كل بيت جزائري ومغاربي عبر شاشة التلفزيون في برنامج “مغرب فيزيون” للمخرج مصطفى بديع، متقاسمًا الركح مع عمالقة الأغنية الجزائرية من طينة عبد الرحمن عزيز، نورة، سلوى، رابح درياسة، وخليفي أحمد.

شهد مسار الغازي محطات إبداعية فارقة، لعل أبرزها تعامله مع العبقري محبوب باتي الذي لحن له أغنية “آمالي غير أنا وإياك” عام 1974، وأغنية “راضية” عام 1975 والتي سجلها لاحقًا الفنان الراحل سامي الجزائري على أسطوانة. رافق الغازي محبوب باتي في جولات فنية عديدة عبر الوطن رفقة نجوم الفن العاصمي والوهراني والشعبي، ووجد فيه الأخ المستشار والملحن الفذ الذي يلتقط النغمة بذكاء وسرعة.

وفي عام 1978، كان اللقاء المثمر مع الملحن عمار عزوز الذي كان يشغل منصبًا ساميًا في الدولة، وبفضل تسيير من زهير عبد اللطيف، أثمر هذا التعاون عام 1982 في باريس عن إصدار ألبوم ضم 12 أغنية متميزة في الطابع القبائلي منها: “اشطح أ طاوس”، “يعفى ربي”، و”البابور”، بالإضافة إلى إعادات متميزة لأغنية “أيما عزيزن” لفنان الثورة فريد علي ونسخة عربية لأغنية “أيا فافا ينوفا” لإيدير تحت عنوان “أسمعت الصوت ينادي”.

في تسعينات القرن الماضي، وجّه الغازي طاقته الإبداعية نحو عالم الطفولة، فلحّن 6 أغاني حققت نجاحًا باهرًا بين الأطفال: “مدرستي”، “اليتيم”، “زهرتي”، و”أمي”، “يا أختي”، و”ياسمين”.

بعد غياب أملته الظروف ودام قرابة عشر سنوات، سجل الغازي عودة قوية ومؤثرة إلى المسرح يوم الأربعاء 19 أبريل 2006 بقاعة ابن خلدون بالعاصمة أمام جمهور غفير استعاد معه ذكريات الزمن الجميل. وتوالت مشاركاته، حيث شارك في تظاهرة “الجزائر عاصمة الثقافة العربية 2007” في جولة مست شرق البلاد رفقة فنان الشعبي ناصر مقداد وبقيادة المايسترو عدلان بوجادي. كما عاد ليعتلي الركح في الجزائر وفرنسا، لا سيما في المركز الثقافي الجزائري بباريس عامي 2016 و2018.

في  سنة 2019، عاد الغازي إلى ستوديوهات التسجيل لتوثيق مسيرته الطويلة من خلال “علبة أقراص” تضم كامل أعماله الفنية، وهو المشروع الذي رأى النور بفضل الدعم المباشر والفريد من الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة (ONDA). وتوّج هذا المسار الحافل يوم السبت 10 جوان 2022، حيث قامت “جمعية الألفية الثالثة” برئاسة الفنان القدير سيد علي بن سالم، وبتنسيق مع الديوان الوطني لحقوق المؤلف، بتنظيم حفل تكريمي بهيج وضخم بالمسرح الوطني “محي الدين بشطارزي”، حظي فيه الغازي بتكريم خاص ومميز رفقة صديقه الدائم، القامة الفنية الكبيرة كمال حمادي، وبحضور جمع غفير من الوجوه الثقافية والفنية الوطنية.

يبقى الغازي برصيده الثري المخزّن في الذاكرة الجماعية مثل: عايش، مهما عدينا، شدي عيونك، الطفل الصغير، بركاني منك نتوب، نسهر، يا ابن أمي، ادي يا حمام جوابي…، نموذجًا للفنان الملتزم الذي زاوج بين حداثة الأسلوب وأصالة الهوية الجزائرية.

رحل عنا الفنان الغازي يوم 16 جويلية 2026 بأحد مستشفيات فرنسا بعد مرض عضال عن عمر ناهز 84 سنة، تاركاً وراءه أثراً طيباً وفناً أصيلاً راقياً وملتزماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى