مصطفى عياد.. وريث العمالقة وسيد الأداء الدرامي والمسرحي

يُعتبر الممثل والكاتب والمخرج المسرحي مصطفى عياد قامةً سينمائيةً شامخةً في الساحة الفنية الجزائرية. وباعتباره نجل أسطورة الكوميديا الراحل أحمد عياد “رويشد”، نجح هذا الفنان الشغوف في التحرر من جلباب والده الساحر ليتخذ لنفسه مساراً تعبيرياً فريداً تميز بالرزانة، والعمق، والالتزام الصارم بقضايا المجتمع والهوية الثقافية الأصيلة.
وُلد الفنان مصطفى عياد في 18 جوان سنة 1948 في حي بولوغين العتيق بالعاصمة الجزائرية. نشأ في بيئة عائلية مشبعة بعبق الفن؛ ورغم أن والده “رويشد” حاول في البداية إبعاده عن هذا المجال الصعب حمايةً له من وعثائه الكبيرة، إلا أن الجذوة الفنية الفطرية كانت أقوى. فالتحق بالمعهد الوطني للفنون المسرحية والشرائطية ببرج الكيفان، حيث صقل موهبته الأكاديمية ونال تكويناً احترافياً رفيعاً أهله لافتتاح مسار درامي حافل.
عقب تخرجه الأكاديمي، انضم عياد مباشرة إلى فرقة المسرح الوطني الجزائري، وفي عام 1973، شدّ الرحال نحو مسرح عنابة الجهوي برفقة الممثل الكبير “سيد أحمد أقومي”، حيث تفانى في تقديم أدوار مسرحية معقدة. ومن أبرز الروائع المسرحية التي شارك فيها كممثل، كاتب، أو مخرج: مسرحية “البوابون” والتي مثلت حدثاً تاريخياً استثنائياً؛ حيث وقف فيها على الخشبة جنباً إلى جنب مع والده “رويشد” وابنه “كريم عياد”، مجسدين ثلاثة أجيال من عائلة واحدة في عمل شعبي خالد. روائع درامية مختلفة: مثل مسرحية “بدون عنوان”، ومسرحية “بدون عنوان 2” التي تولى إخراجها بنفسه، بالإضافة إلى مسرحية “فيسبوك يا تشوتشه”.
فرض مصطفى عياد ملامحه الجادة والدافئة أمام الكاميرا، ليتنقل بمرونة لافتة بين السينما الواقعية والدراما التلفزيونية المؤثرة، عاكساً طاقات تمثيلية مذهلة عبر روائع منها فيلم “حسن تيرو في المَحرَك” سنة 1978، والفيلم التاريخي الشهير “سيركاجي” سنة 1982، بالإضافة إلى الكوميديا الشهيرة “حسن طاكسي”، والفيلم التلفزيوني الساخر “حسن نية” سنة 1989.
وفي سنة 2005 شارك في مسلسل “الربيع الأسود”؛ حيث قدم فيه أداءً تراجيدياً فائق الإتقان نال بفضله أرقى الإشادات النقادية. وشارك سنة 2008 في المسلسل الدرامي الشهير “البذرة” بجزئيه الأول والثاني الذي طبع ذاكرة المشاهد الجزائري إلى جانب كل من محمد عجايمي، نضال وصونية. إضافة إلى مشاركته في الفيلم السينمائي الفرنسي الجزائري “بركات!” للمخرجة جميلة صحراوي. وفي سنة 2008 مثل في فيلم “سي محند أو محند.. الثائر” متقمصاً دور “القايد”، وكذلك في الفيلم الملحمي التاريخي “زبانة” للمخرج سعيد ولد خليفة سنة 2012.
تتويجاً لاحترافيته وتألقه الجماهيري، حصد الفنان القدير مصطفى عياد جائزة “الفنك الذهبي” كأفضل ممثل رئيسي عام 2005 عن دوره الأسطوري في مسلسل “الربيع الأسود”. ولم تقتصر إسهاماته عند الأداء التشخيصي؛ بل تميز ككاتب ملتزم بصون الذاكرة الثقافية؛ حيث أصدر مؤلفاً قيّماً ونبيلاً باللغة الفرنسية تحت عنوان “Rouiched, mon père mon ami” (رويشد.. أبي وصديقي)، والذي قدم من خلاله شهادة إنسانية حية وتأريخاً دقيقاً لكواليس العصر الذهبي للفن الجزائري. واعترافاً بمسيرته الثرية، حظي النجم القدير بتكريم شرفي مهيب من قِبل إدارة المهرجان الدولي للمسرح ببجاية، تعبيراً عن الامتنان العميق لعطائه الفني المستمر طيلة عقود من الزمن الجميل. وأفضل تكريم ناله هو حب الجمهور وعرفانه لهذا الفنان الذي أمتعنا لسنوات عديدة بأعمال وأدوار مميزة.







