فن

عثمان بالي… سفير التراث التارڨي

يظل الفنان الجزائري الكبير عثمان بالي، واسمه الحقيقي مبارك عثماني، بمثابة الروح النابضة للثقافة التارقية العريقة، والعراب الأول الذي نجح في فك عزلة الطرب الصحراوي ونقله من أزقة “جانت” الساحرة إلى مسارح العالم الكبرى في أوروبا وأمريكا واليابان. وبفضل عبقريته الفذة في العزف على آلة العود وتطوير إيقاعات “التيندي” التقليدية، تحول بالي إلى أيقونة فنية عابرة للقارات، ممثلاً لغة أجداده الأمازيغية.

وُلد مبارك عثماني في ماي 1953 في واحة جانت الخلابة بأقصى الجنوب الشرقي الجزائري، لعائلة تنتمي إلى قبيلة “الآجر” التارقية العريقة. في بداية حياته المهنية، سلك عثمان مساراً إنسانياً نبيلاً؛ حيث عمل في قطاع التمريض، وهو ما أكسبه لقبه الشهير “طبيب الأغنية التارقية”. إلا أن شغفه الوجداني بالموسيقى والشعر كان أقوى من أن تحجبه جدران المستشفيات، فقرر الانغماس كلياً في إحياء الفولكلور الصحراوي.

لم تكن انطلاقة عثمان بالي الفنية عادية، بل كانت محاطة بدعم وثيق من والدته الشاعرة التارقية المعروفة “خديجة فرات”، التي كانت تمده بالنصوص والقصائد الشعرية البليغة. تميز أسلوب عثمان في البداية بتلحين هذه القصائد وأدائها رفقة مجموعة نسوية تعزف على إيقاع قشور الدف والطبول التقليدية لرقصة “التيندي”، ليتوج هذا المجهود التراثي بإطلاق أول ألبوم رسمي له عام 1986. وفي عام 1987، أسس فرقته الموسيقية الخاصة التي انطلق بها نحو العالمية.

لم ينغلق عثمان بالي داخل قوقعته المحلية، بل سعى لتحديث الأغنية التارقية وجعلها صالحة للاستماع العالمي عبر دمج آلة العود الشرقية والآلات الغربية الحديثة. تجسدت هذه الرؤية العالمية في تعاونه التاريخي مع الموسيقار والموزع الأمريكي الشهير ستيف شيهان (Steve Shehan)، لينتجا معاً تحفاً ألبومية خالدة تركت بصمتها في الساحة الفنية الدولية: ألبوم “آسوف” سنة 1995 ويعني الحنين أو العزلة، ألبوم “آساروف” سنة 1997 ويعني الغفران، ألبوم “أسيكل” سنة 2008 ويعني الرحلة، وتم إصداره بعد وفاته. وقد انتشرت قصائده مثل “الدمعة”، “ڨوماري”، و”أمين أمين” على نطاق واسع وتحولت إلى أناشيد يرددها معجبوه من كاراكاس إلى باريس.

في ليلة 17 جوان 2005، فُجعت الساحة الثقافية الجزائرية والعالمية برحيل عثمان بالي عن عمر يناهز 52 عاماً، إثر حادثة مأساوية بعد أن جرفته مياه وادي جانت الغاضب جراء فيضانات عارمة لحقت بالمنطقة.ورغم رحيله الجسدي، إلا أن إرث بالي ظل حياً؛ حيث تخرجت من مدرسته الفنية عشرات الوجوه الشابة وفرق الـ “توارق روك” العالمية (مثل تيكوباوين وتيناريوين)، كما يواصل ابنه الفنان نبيل بالي حمل المشعل والسير على خطى والده في صون هذه الأمانة الموسيقية الفريدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى