ياسين بن جملين.. الهادئ الأنيق صاحب البصمة المتفردة في السينما الجزائرية

يظل الممثل اللامع والمخرج القدير الراحل ياسين بن جملين، قامة فنية سامقة وهامة في تاريخ الفن الجزائري المعاصر. ترك هذا المبدع الفذ، الذي زاوج باحترافية نادرة بين التمثيل والتشخيص الرزين والإخراج الملتزم، بصمة سينمائية وتلفزيونية ذهبية لا تمحى من ذاكرة المشاهدين؛ حيث نذر حياته القصيرة للارتقاء بالفن المحلي وخدمة الجمهور الشغوف، محققاً مكانة مرموقة بفضل موهبته العفوية الراقية.
وُلد الفنان المتميز ياسين بن جملين عام 1961 في أحضان العاصمة الجزائرية الدافئة. ومنذ ريعان شبابه الطموح، تملكته جذوة الفن، فخطا خطواته التأسيسية الأولى فوق خشبات المسرح؛ حيث صقل موهبته الفطرية وتقمص شخصيات درامية عديدة ومتنوعة أكسبته رصانة تمثيلية لافتة. ولم يمر وقت طويل حتى التقطت كاميرات المخرجين هذه الموهبة الفذة، لينتقل بخطى ثابتة نحو الشاشة الفضية والتلفزيون، معلناً عن ولادة نجم ساطع يتميز بأدائه الهادئ، الأنيق، والمعبر.
اقتحم بن جملين قلوب ملايين الجزائريين من الباب الواسع بفضل أدائه الاحترافي المتقن في كبرى المسلسلات الاجتماعية؛ لاسيما في زمن العشرية السوداء حيث كان حضوره التلفزيوني بمثابة بلسم يزرع البسمة والأمل. وتوالت أعماله الناجحة التي وثقت حضور النجم الرزين عبر محطات فنية بارزة، نذكر منها: مسلسل “ثمن الحلم” سنة 1998 الذي شكل محطة انطلاق قوية لنجوميته، ثم فيلم “بركات” سنة 2006 للمخرجة جميلة صحراوي، وهو من الأعمال الحائزة على إشادات دولية، وفي الكوميديا شارك في سلسلة “عمارة الحاج لخضر” خلال سنتي 2007 و 2009) حيث أظهر مرونة كوميدية لافتة إلى جانب النجم لخضر بوخرص، وتألق كذلك في فيلم “خارجون عن القانون” سنة 2010 للمخرج العالمي رشيد بوشارب، والمسجل في كبرى المحافل الفنية كأحد أضخم الإنتاجات التاريخية. إضافة إلى روائع سينمائية وتلفزيونية أخرى مخلدة مثل “شهرة”، “العودة”، “الانحراف”، و”البوابون”.
لم تقتصر طموحات هذا المبدع الراقي عند حدود الأداء أمام الكاميرا، بل تطلع بشغف كبير لاكتشاف خبايا الإخراج وتقنياته البصرية، مستلهماً أدواته الإبداعية من كبار المخرجين الذين جاورهم في مسيرته. تجسد هذا العبور السينمائي الناضج من خلال إخراجه لفيلم “اللعبة”، تلاه الفيلم الدرامي المميز “الحنين” سنة 2011 الذي عُرض بقاعة الموقار العريقة ونال استحسان النقاد، متبوعاً بأعمال أخرى مثل فيلم “الهجرة” و”البحار”.
رغم العطاء الفني المتواصل طيلة عقود، عُرف الفقيد بزهده التام وظهوره النادر في المناسبات الإعلامية، حيث عانى تهميشاً نسبياً ولم يحظ بالتكريمات الباذخة التي تليق بقامته الرفيعة. وفي ليلة حزينة من أيام شهر رمضان المبارك، وتحديداً في 17 جوان 2017، فُجعت الأسرة الثقافية برحيله المأساوي عن عمر ناهز 56 عاماً في مستشفى فرانتز فانون بالبليدة، إثر تعرضه لجلطة دماغية مفاجئة. شُيّعت جنازته المهيبة بمقبرة سيدي يحيى بالعاصمة، تاركاً وراءه ولدين وإرثاً سينمائياً وتلفزيونياً زاخراً يشهد على كونه مثالاً يُحتذى به للفنان المخلص الذي أحب فنه بصدق وأبدع في إسعاد جمهوره.






