فن

نورية… زهرة المسرح والشاشة الجزائرية

تزخر الذاكرة الثقافية الجزائرية بأسماء ريادية حفرت مسيرتها الإبداعية بمداد من ذهب، ومن أبرز هذه القامات الفنية اللامعة تأتي الفنانة القديرة والكوميدية “نورية قصدرلي”. لم تكن مجرد ممثلة عابرة، بل كانت مدرسة قائمة بذاتها، ومؤسسة فنية متنقلة نجحت على مدار عقود طويلة في دخول كل بيت جزائري، مستحوذة بسحر أدائها وعفويتها المطلقة على قلوب العائلات، لاسيما النساء اللواتي وجدن فيها مرآة صادقة تعكس واقعهن اليومي.

ولدت هذه الممثلة الفذة في بلدية “عمي موسى” التابعة تاريخياً لمنطقة تيارت قبل إلحاقها بغليزان، سنة 1921 باسمها الحقيقي خديجة بن عايدة. غير أن منعرج حياتها الحاسم بدأ بعد زواجها من المفكر ورائد المسرح الجزائري الراحل مصطفى قصدرلي، الذي حملت اسمه الفني بفخر.

وفي عام 1945، وفي جولة مسرحية بمدينة قسنطينة العريقة، شاءت الأقدار الإلهية والصدفة المباركة أن تغيب إحدى الممثلات عن العرض. بطلب من زوجها ورفاقه، تقدمت خديجة الشابة بكل شجاعة لتعويضها، مجسدة شخصية “المرأة المتسولة”. هذا الأداء الارتجالي الباهر نال إعجاباً وتصفيقاً حاراً من رفقائها الممثلين والجمهور على حد سواء، ليخط الخطوة الأولى في حكاية غرامية طويلة دامت أكثر من ستة عقود بينها وبين الفن الرابع.

تميز الأسلوب التمثيلي لنورية بقدرة فائقة على محاكاة الأم الجزائرية المثالية، فقد وصفتها التقارير والمراجع الإعلامية الموثوقة، بأنها كانت الحارسة الوفية للتقاليد العائلية والمرأة ذات الشخصية القوية والحساسة في آن واحد.

لقد برعت في تفسير أدق تفاصيل الحياة اليومية للمرأة، من عادات، وتقاليد، وإدارة لشؤون بيتها، موازنةً بين الصرامة الأبوية والعاطفة الجياشة.

وطوال مسيرتها الإبداعية الحافلة، شاركت نورية في أكثر من 200 مسرحية خالدة، ووقفت فيها ندّاً لندّ وقامةً لقامة أمام رواد الخشبة وعمالقتها، لاسيما في روائع مثل مسرحية “الغولة”، “من أجلي”، و”وردة حمراء”. ومثلت في 160 عملاً تلفزيونياً وسينمائياً، تنوعت بين الأفلام الطويلة والدراما الاجتماعية، ولعل أبرزها الفيلم الشهير “خذ ما عطاك الله” سنة 1981، والفيلم التاريخي “الليل يخاف من الشمس” سنة 1964. وقد تقاسمت زهرة المسرح الشاشة والخشبة مع جيل العمالقة من صانعي العصر الذهبي للفن الجزائري؛ أمثال الممثل الكوميدي الفذ “رويشد”، والفنان “حسن الحسني”، إلى جانب رفيقات الدرب ممثلات الزمن الجميل كالسيدة “شافية بودراع” والأيقونة “فريدة صابونجي”، لترسم معهم ملامح الهوية الثقافية الجزائرية بعد الاستقلال تحت لواء المسرح الوطني الجزائري بقيادة محيي الدين بشطارزي.

لم تبخل الدولة الجزائرية ولا المؤسسات الثقافية في الاعتراف بالجميل لهذه الأيقونة المعطاءة. فقد حظيت بتكريمات رسمية متعددة من طرف وزارة الثقافة، الجمعيات الفنية، والمسرح الوطني. وتوج هذا التقدير المؤسساتي رفيع المستوى عام 2017، حينما أسدى لها رئيس الجمهورية وسام الاستحقاق الوطني من مصف “عهيد”، اعترافاً بستين سنة من النضال الثقافي والإبداعي. ومع ذلك، ظل التكريم الأسمى والأغلى في قلب نورية هو ذلك الرصيد الضخم من حب الجماهير، واحترامهم العميق لشخصيتها المتواضعة، البسيطة، وفنها الراقي والنظيف الذي لم يخدش يوماً حياء العائلات.

في التاسع من أوت 2020، غيب الموت السيدة نورية قصدرلي عن عمر ناهز 99 عاماً. وكان رحيل هذه الدوّامة الفنية بمثابة رزء عظيم وفاجعة أليمة ابتليت بها الساحة الثقافية الجزائري، التي فقدت بوفاتها آخر الرواد الأوائل و”عميدة” الدراما والمسرح.ورغم الغياب الجسدي، تظل نورية قصدرلي حية في وجدان الجزائريين، يفوح شذاها الإبداعي في كل مرة تُعرض فيها أعمالها، كنموذج فريد للمرأة التي جعلت من الفن رسالة وطنية واجتماعية نبيلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى