فن

رشيد زغيمي… عملاق الابتسامة

ولد الفنان الفذّ رشيد زغيمي في مدينة قسنطينة العريقة يوم 20 أكتوبر عام 1945. في أزقتها الضاربة في التاريخ وفي حضن بيئتها الثقافية الخصبة، ترعرع الشاب الطموح وتشرّب حب الفن الرابع (المسرح). ظهر شغفه الإبداعي المبكر وجاذبيته الكاريزمية منذ نعومة أظافره، مما جعله يتوجه بخطى ثابتة وثاقبة نحو ركح المسرح الذي رأى فيه مرآة عاكسة لآلام وآمال شعبه.

في ستينيات القرن الماضي، استهل الفتى القسنطيني الموهوب رحلته الفنية الواعدة بانضمامه إلى جمعية “الأمل المسرحي” الناشطة، حيث صقل موهبته الفطرية وتعلّم أبجديات الأداء الرصين. ولم تمر سنوات قليلة حتى أسس برفقة ثلة من رفقاء الدرب الفرقة الكوميدية الشهيرة “البهاليل”، والتي شكلت قفزة نوعية في مسيرته، ومحطة بارزة لتقديم عروض مسرحية هادفة وسكتشات فنية لاقت صدى شعبيًا جارفًا.

على مدار ما يقارب نصف قرن من العطاء السخي وغير المنقطع، بصم رشيد زغيمي على أعمال تلفزيونية وسينمائية خالدة في الذاكرة الجمعية منها “أعصاب وأوتار” المسلسل الفكاهي الأسطوري الذي أنتجته محطة قسنطينة الجهوية للتلفزيون الجزائري منذ عام 1979. وفيه تقمص شخصيته التاريخية الخالدة “عنتر مالادي”، ذلك المواطن المريض المزمن الذي يواجه بيروقراطية الإدارة اليومية بقالب ساخر ومبكي في آن واحد.

كما مثل في “ريح تور” وهو عمل مميز واصل فيه تفجير طاقاته الكوميدية التلقائية. وأيضاً في سلسلة “ماني ماني” الناجحة والتي عكست عبقريته الفنية. وتألق خاصة في سلسلة “ناس ملاح سيتي” إذ شارك في مواسم هذا العمل التلفزيوني الضخم والمبتكر للمخرج جعفر قاسم، مما أتاح له التواصل مع جيل الألفية الجديدة.

تميز الراحل بقدرته الفائقة على الاندماج وبناء كيمياء فنية مذهلة مع زملائه. تقاسم الأدوار والبطولات مع نخبة من أساطير الشاشة والمسرح الجزائري، وعلى رأسهم الفنان القدير نور الدين بشكري، والكوميدي البارع عنتر هلال (عيسى ستوري)، والفنان حسان بن زراري، والممثلة فاطمة حليلو. حيث شكّل هذا الجيل الذهبي جبهة إبداعية متلاحمة ومتناغمة، وصنعوا معًا العصر الذهبي للدراما والكوميديا القسنطينية.

عُرف رشيد زغيمي في الأوساط الثقافية بأنه فنان صادق ونزيه؛ يعيش للفن لا من أجل المظاهر. ورغم أن الجوائز الرسمية والمادية شحّت في مسيرته مقارنة بحجم عطائه الباذخ، إلا أن التكريم الأسمى والوسام الأغلى بالنسبة له كان الحب الجماهيري الجارف الذي حظي به في كل ربوع الجزائر. حظي الراحل ببعض التكريمات الشرفية من وزارة الثقافة والمؤسسات التلفزيونية في أواخر حياته، كاعتراف رمزي بنضاله الفني الطويل.

في سنواته الأخيرة، اشتد على الفنان القدير وطء المرض العضال، مما ألزمه الفراش وغيّبه مجبرًا عن الشاشة التي عشقها. تدهورت حالته الصحية بشكل حرج ونُقل إلى المركز الاستشفائي الجامعي “ابن باديس” بقسنطينة، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة يوم الأربعاء 19 جويلية 2017.

خلّفت وفاته موجة عارمة من الحزن والأسى في الأوساط الفنية والشعبية، ونعته الرئاسة الجزائرية ووزارة الثقافة كخسارة لا تعوض لقامة فنية أفنت عمرها في خدمة الثقافة الوطنية ونشر البهجة في قلوب الجزائريين. رحل جسدًا، لكن روحه المرحة وأعماله الملتزمة ستبقى محفورة في سجل الفن الجزائري الخالد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى