رحيل المخرج القدير محمد الأمين مرباح (1946-2026)

فقدت الساحة الفنية والسينمائية الجزائرية قامةً بارزةً وعملاقاً من عمالقة الفن السابع؛ غيّب الموت المخرج السينمائي والتلفزيوني الفذ محمد الأمين مرباح المعروف فنياً باسم لمين مرباح عن عمر ناهز 80 عاماً، بعد صراع طويل ومعاناة مريرة مع مرض عضال ألزمه الفراش لسنوات. وبوفاة هذا المبدع الاستثنائي، تُطوى صفحة مشرقة من صفحات جيل الرواد الذين أسسوا لهوية سينمائية جزائرية أصيلة عقب الاستقلال.
تنفس الفقيد آيات الإبداع الأولى في بيئة جزائرية خالصة؛ إذ ولد في 28 جويلية سنة 1946 بمدينة تيغنيف التاريخية التابعة لولاية معسكر. نشأ في حضن عائلة وطنية عريقة، فهو ابن المناضل الراحل “مولاي مرباح” الشخصية البارزة في الحركة الوطنية.تلقى تعليمه الابتدائي بين مسقط رأسه وقصر الشلالة بولاية تيارت، قبل أن ينتقل إلى ولاية المدية ليزوال تعليمه الثانوي في ثانوية “بن شنب” العتيقة. وبفضل شغفه المبكر بالصورة البصرية، التحق بالمعهد الوطني للسينما (1964-1967)، ليصقل موهبته الفطرية بدراسة أكاديمية معمقة، تلتها فترة تدريبية هامة في التلفزيون البولندي عام 1968.
ولم يكتفِ المخرج الراحل بالجانب التقني، بل دعم رؤيته الإخراجية بنيل شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع من جامعة الجزائر عام 1973؛ هذا التكوين السوسيولوجي المتميز جعل منه مخرجاً واعياً يؤمن بأن السينما ليست مجرد أداة ترفيهية، بل مرآة حية لقراءة المجتمع وتوثيق تحولاته.
بدأ الراحل مساره المهني المتميز في ستينيات القرن الماضي عبر إخراج مجموعة من الأفلام القصيرة والوثائقية الملتزمة. وفي عام 1970، انضم إلى دار النشر الوطنية (SNED)، وعمل مخرجاً مقتدراً في الإذاعة والتلفزيون الجزائري. وبفضل حنكته الإدارية ورؤيته الثاقبة، تم تعيينه مديراً عاماً للشركة الوطنية للإنتاج السمعي البصري (ENPA) من عام 1988 وحتى 1995، حيث ساهم بقوة في توجيه الإنتاج الفني وتطوير المشهد السمعي البصري في البلاد.
امتازت سينما لمين مرباح بالواقعية النقدية والالتزام بقضايا المجتمع والإنسان الجزائري، تاركاً خلفه باقة من الأعمال الخالدة. ففي السينما الطويلة أخرج الفيلم الروائي المتميز “المفسدون” سنة 1972، وفيلم “بني هندل” سنة 1976 الذي حقق صدى واسعاً، بالإضافة إلى تحفته السينمائية “المستأصلون” سنة 1976، وفيلم “راضية” سنة 1992، وفيلم “بدون جذور”.
وفي الدراما التلفزيونية، بعد فترة غياب قسري بسبب المرض، عاد بقوة خلف الكاميرا ليتحف الشاشة الصغيرة بمسلسلات درامية لاقت نجاحاً جماهيرياً باهراً، مثل مسلسل “المرآة المكسورة” سنة 2003، والمسلسل الاجتماعي الشهير “دارنا القديمة” سنة 2008، بالإضافة إلى إخراجه الدراما التلفزيونية المميزة “الميراث”.
حظيت مسيرة المخرج لمين مرباح بتقدير واعتراف كبيرين على المستويين الوطني والدولي. وإثر هذا المصاب الجلل، نعت وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية، مليكة بن دودة، الفقيد بكلمات مؤثرة، مؤكدة أنه “قامة بارزة أسست لهوية سينمائية أصيلة وتوثيق الهوية الوطنية”. وقد حظي الراحل خلال حياته ومسيرته الطويلة بالعديد من التكريمات في المهرجانات السينمائية المحلية، نظير وفائه لرسالة الفن النبيلة وصموده الإبداعي عبر عقود من الزمن.
أشارت وكالة الأنباء الجزائرية إلى وفاته يوم الجمعة 24 جويلية 2026، لتفقد الجزائر واحداً من أنقى وأبرز صناع مجدها الثقافي. وإذا كان المخرج القدير محمد الأمين مرباح قد غادرنا بجسده، فإن روحه المبدعة ستبقى حية ترزق في تفاصيل أفلامه، وضمن المشاهد الآسرة التي صوّرها بعدسته الصادقة لتظل شاهدة على عبقرية مخرج فذ لم يساوم يوماً على حساب جودة الفن وأصالته.



