فن

فلة الجزائرية.. سلطانة الطرب العربي العصية على النسيان

في سجلات الفن العربي، ثمة أصوات تمر كالعطر، وأصوات أخرى تحفر أخاديدها في الوجدان كوشمٍ لا يزول؛ ومن بين هذه الأصوات الشامخة، تبرز الفنانة القديرة فلة الجزائرية، تلك القامة الإبداعية الباسقة التي لم تكتفِ بوراثة الفن، بل طوعته بحنجرتها الماسية لتصبح سلطانة غبر متوجة على عرش الطرب الأصيل.

ولدت فلة عبابسة يوم 23 أفريل سنة 1961 في قلب العاصمة الفرنسية باريس، وسط عائلة فنية عريقة ومحافظة على الموروث، حيث تشربت منذ نعومة أظفارها أسرار المقامات العربية والطبوع الجزائرية الأصيلة، مما صقل أذنها الموسيقية، فهي تنحدر فلة من قلعة فنية حصينة كونها ابنة عميد الأغنية البدوية عبد الحميد عبابسة. وشكلت مع شقيقتيها ثلاثياً تاريخياً جسّد رقي المرأة الجزائرية؛ فكانت الراحلة نعيمة عبابسة سيدة الأفراح التي تخصصت في التراث والحوزي، وشكل رحيلها جرحاً غائراً في وجدان فلة. أما الشقيقة عايدة عبابسة، فقد كانت الممثلة البارعة والوجه الرزين والحلقة الجامعة للأسرة بوقارها وصوتها الأصيل. لقد كانت عائلة عبابسة ولا تزال، مدرسة وطنية صدّرت الفن الجزائري للعالم بأسره.ل منها فنانة شاملة، تعزف ببراعة على آلة البيانو وتطوع الكلمات بإحساسٍ جارف.

لم تكن بدايات فلة مفروشة بالورود، بل كانت رحلة كفاح لإثبات الذات بعيداً عن جلباب الأب العظيم. انطلقت من الجزائر مطلع الثمانينيات، حاملةً في جعبتها صوتاً قوياً، رخِيماً، ونبرةً مغاربية فريدة. سرعان ما لفتت الأنظار بجمالها الآخاذ وحضورها الطاغي على المسرح، لتنتقل بعدها إلى العاصمة اللبنانية بيروت، ثم القاهرة، حيث صُنفت هناك كواحدة من أجمل الأصوات العربية التي تمتلك عُرباً غنائية معقدة ومساحات صوتية شاسعة.

جابت فلة الجزائرية كبرى المسارح العالمية والعربية، فصدحت حنجرتها في دار الأوبرا المصرية العريقة، وتألقت على مسرح قرطاج التاريخي بتونس، كما هزت أرجاء مهرجانات موازين بالمغرب، وشاركت في حفلات ضخمة في دبي، قطر، لندن، وباريس. كانت في كل محطة دولية خير سفيرة للأناقة الجزائرية بالكاراكو العاصمي، وللفن الجزائري بتنوع طبوعه من الراي إلى العاصمي والنايلي.

تميزت مسيرة فلة بتعاونات فنية راقية مع كبار الملحنين والشعراء. ومن أبرز محطاتها الغنائية التي لا تزال تسكن الذاكرة رائعة “تشكرات” الأغنية التي أحدثت ثورة في عالم الفيديو كليب وحققت انتشاراً عربياً كاسحاً، و”أهل المغنى” التي تعتبر عملاً طربياً ثقيلاً يبرز تمكنها من المقامات الكلاسيكية، “أنت حبيبي” التي جسدت فيها الرومانسية بأرقّ صورها، و”ربي يوفقك” وهي الدرة التي تغنت بها باللهجة الخليجية وأبدعت فيها، ولا ننسى أغانيها الثنائية الناجحة، لعل أبرزها مع الشاب خالد في أغنية “منال”.

حصدت السلطانة فلة خلال مسيرتها الطويلة العديد من الجوائز المرموقة، منها درع التكريم من مهرجان الموسيقى العربية بالقاهرة، لقب أفضل مطربة عربية في عدة استفتاءات جماهيرية في لبنان ومصر، تكريمات شرفية من رئاسة الجمهورية الجزائرية ووزارة الثقافة تقديراً لمسيرتها الدولية.

رغم كل العواصف والتحديات التي واجهتها، تظل فلة الجزائرية تلك الفنانة المتمردة بجمال، والوفية لجذورها بصدق. إنها ليست مجرد مطربة، بل هي ظاهرة فنية تختزل في صوتها حنين القصبة العتيقة وحداثة المسارح العالمية. ستبقى فلة “نجمة قطبية” في سماء الفن العربي، تضيء بجمال صوتها دروب الطرب لسنوات طويلة قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى