نعيمة عبابسة.. أيقونة الفن وسيدة الأفراح التي خلفت برحيلها حزناً عميقاً

في فضاء الفن الجزائري الأصيل، تتلألأ أسماءٌ حفرت ملامحها في ذاكرة الوجدان الشعبي، ومن بين هذه الأسماء الشامخة تبرز الفنانة القديرة نعيمة عبابسة، تلك المرأة التي لم تكن مجرد مغنية، بل كانت حارسةً وفيةً للموروث الثقافي، وسفيرةً للأناقة الفنية الجزائرية بمختلف ألوانها.
ولدت نعيمة عبابسة في 12 نوفمبر سنة 1962، ونشأت في كنف عائلة فنية عريقة شكلت مدرسة قائمة بذاتها. فهي ابنة عملاق الفن الجزائري، الأستاذ الراحل عبد الحميد عبابسة، صاحب ملحمة “حيزية” الخالدة؛ تلك الرائعة التي ظلت نعيمة ترددها في كل محفل وبذات الشجن والوفاء لوالدها الذي كان معلمها الأول. ومن هذا النبع الصافي، تشربت نعيمة أصول العزف والموسيقى، لتكمل المسيرة رفقة شقيقتها الفنانة “فلة الجزائرية”، مشكلتين معاً ظاهرة فنية فريدة، وكذلك مع شقيقتها الممثلة المبدعة عايدة عبابسة.
لم تحصر نعيمة نفسها في زاوية ضيقة، بل كانت طائراً يغرد في بستان التراث الجزائري الفسيح. وبحسب ما وثقته الصحافة الفنية، فقد أبدعت الراحلة في أداء “الحوزي” العذب، و”العاصمي” الراقي، و”الشاوي” و”البدوي” القويين.
بدأت رحلتها مع الألبومات في التسعينيات، حيث تميزت باختيار كلمات راقية تفيض بالوطنية والجمال، فغنت للمرأة بكرامة، وللوطن بشموخ، وللأفراح ببهجة لا تنطفئ. ومن منا لا يتذكر رائعتها “اللي باغي يكسي مرتو” التي رقصت على أنغامها البيوت الجزائرية، أو أغنيتها التكريمية “شيوخ بلادنا” التي كانت بمثابة رسالة حب وتقدير لرواد الفن الجزائري. ومن أشهر ألبوماتها ألبوم “خاين” سنة 2000 الذي ضم أغاني مثل “حمو لبنادر” و”راني مريضة”.
اتسمت مسيرة نعيمة عبابسة بالوطنية الصادقة؛ فكانت ترى في فنها سلاحاً للحفاظ على الهوية، كما فعل من قبل والدها الفنان عبد الحميد عبابسة. لقد استطاعت بصوتها الجذاب والشجي أن تنقل التراث الوطني إلى المحافل الدولية، مشرفةً بلادها أحسن تشريف. لم يكن غناؤها مجرد ترفيه، بل كان إحياءً لموروث كاد يندثر، حيث مزجت فيه بين أصالة الماضي وتجدد الحاضر.
خلف تلك الابتسامة المشرقة والحضور القوي على المسرح، كانت نعيمة تخوض معركة شرسة وصامتة ضد مرض السرطان. لسنوات طويلة، أظهرت شجاعة منقطعة النظير، مقاومةً أوجاعها لتبقى وفية لجمهورها.
وفي يوم حزين من أيام شهر رمضان المبارك، وتحديداً في 18 أفريل 2021، ترجلت “سيدة الأفراح” عن صهوة الحياة، تاركةً خلفها فراغاً لا يملؤه سوى صدى صوتها الذي لا يزال يتردد في ثنايا الذاكرة. رحلت نعيمة عبابسة جسداً، لكنها بقيت في قلوب الجزائريين كرمز للفنانة الأصيلة التي لم تساوم يوماً على فنها أو وطنها.






