أخبار

المداحات الجزائريات.. صوت الروح والذاكرة في رحاب اليونسكو

في خطوة تعكس وعياً عميقاً بضرورة تحصين الهوية الوطنية، تقود الجزائر حراكاً ثقافياً دولياً تقوده وزارة الثقافة والفنون، تُوج بإيداع ملفات استراتيجية لدى منظمة “اليونسكو”. على رأس هذه الملفات، يبرز فن “المداحات”؛ ذلك الإرث النسوي العريق الذي لم يكن يوماً مجرد غناء، بل كان حارساً للقيم الروحية والاجتماعية في المجتمع الجزائري عبر القرون.
أغاني المداحات: ترانيم القداسة والبوح النسوي
تُعد “المداحات” من أقدم الأشكال الفنية النسوية في الجزائر، خاصة في الغرب والوسط الجزائري. وهي عبارة عن فرقة تتألف من نساء (المداحة الرئيسية وعازفات الدف والقلال)، يتخصصن في الإنشاد الديني والمديح النبوي.

تاريخياً، ارتبطت المداحات بالزوايا والطرق الصوفية، حيث كنّ بمثابة “الحكواتية” والمبشرة بالقيم الأخلاقية. في زمن كانت فيه المجالس النسوية مغلقة، كانت المداحة هي الصوت الذي يربط المرأة الجزائرية بقداسة السيرة النبوية وبطولات الصحابة، ممزوجة بآلام وآمال الحياة اليومية.

ما يميز فن المداحات هو “الارتجال” والقدرة على تطويع الكلمة الموزونة لتناسب المقام؛ ففي الأفراح والمناسبات الروحية، تتحول “المداحة” إلى قائدة للأوركسترا الوجدانية، مستخدمة إيقاعات “القلال” و”البندير” الرزينة التي تبعث في النفس السكينة والحماسة في آن واحد.
هذا الفن هو “خزان للغة والذاكرة”؛ فقد حافظت المداحات على قصائد من الملحون الجزائري القديم، ونقلنها شفهياً من جيل إلى جيل، مما جعل منهنّ “أرشيفاً حياً” للهوية الجزائرية في وجه محاولات الطمس عبر العصور.
لم يتوقف التحرك الجزائري عند حدود النغم، بل شمل “الأناقة” و”الذكاء الشعبي”. فإيداع ملف “البلوزة” (لباس الغرب الجزائري الأصيل) يؤكد على البعد الجمالي للهوية، بينما يعيد الاعتبار للألعاب الذهنية مثل “الخربقة” و**”السيجة”** كجزء من التراث اللامادي الذي يعكس مهارات التفكير الاستراتيجي لدى الجزائريين قديماً.

يأتي ترؤس الوزيرة “مليكة بن دودة” لمراسم الإيداع، ليؤكد أن الدولة الجزائرية انتقلت من مرحلة “الجرد” إلى مرحلة “الفرض”؛ فرض الحضور الثقافي في المحافل الدولية. إن إدراج “أغاني المداحات” ضمن قوائم اليونسكو ليس مجرد اعتراف دولي، بل هو وعد للأجيال القادمة بأن هذا الصوت الذي صدح في بيوتنا وزوايانا لقرون، سيظل حياً وعالمياً، يحكي قصة شعب آمن بالجمال والروحانية سبيلاً للبقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى