أخبار

رحيل وحش التمثيل وعملاق السينما الجزائرية سيد أحمد أقومي (1940-2026)

توفي اليوم الأحد، 20 سبتمبر 2026، الممثل القدير سيد أحمد أقومي واسمه الحقيقي أحمد مزيان عن عمر ناهز 86 عاماً، بعد مسيرة فنية استثنائية دامت لأكثر من ستة عقود. ويُعد الراحل واحداً من أبرز قامات ومشاهير السينما، المسرح، والتلفزيون في الجزائر والعالم العربي

في أحضان حي بولوغين العتيق بضواحي الجزائر العاصمة، وفي الخامس من أكتوبر عام 1940، وُلد أحمد مزيان، الذي سيحمل لاحقاً الاسم الفني الخالد “سيد أحمد أقومي”.

نشأ هذا الفتى الشغوف في بيئة جزائرية أصيلة تمزج بين قيم الهوية الوطنية والروح الشعبية، وتلقى تعليمه الأولي في المدارس القرآنية العريقة بالتوازي مع تشربه للثقافة واللغة الفرنسية التي أتقنها لاحقاً وعززت امتداده الفني. ومنذ نعومة أظافره، بدت عليه ملامح الفصاحة والكاريزما الآسرة، ليعلن باكراً عن ولادة فنان استثنائي سيغير ملامح المشهد الثقافي الوطني.

انطلقت المسيرة الإبداعية الفذة للفنان سيد أحمد أڨومي في مطلع ستينيات القرن الماضي، وتحديداً مع فجر استقلال الجزائر، حيث وهب نفسه للمسرح والسينما بطاقة إبداعية لا تنضب. وانضم بقوة وعزيمة إلى كوكبة المسرحيين الأوائل، مقتحماً الخشبة بصوته الهادر ونظراته الثاقبة، ليتحول سريعا إلى رقم صعب في المعادلة الفنية.

ولم يكتفِ بالتمثيل بل قاد دفة المؤسسات الثقافية بمهارة فائقة؛ فتولى إدارة المسرح الوطني الجزائري، وأشرف على تأسيس وإدارة أول دار ثقافة جزائرية في تيزي وزو، فضلاً عن إدارته لمسارح عنابة وقسنطينة الإقليمية بين عامي 1974 و1975.

يُعد أقومي رمزاً شامخاً من رموز الركح الجزائري؛ حيث جسّد طيلة ستة عقود أدواراً تراجيدية وكوميدية معقدة بالتعاون مع كبار المخرجين والكتّاب، وفي مقدمتهم الأسطورة عبد القادر علولة. ومن أبرز أعماله المسرحية التاريخية نذكر: مسرحية “أبناء القصبة” الخالدة، ومسرحية “الجثة المطوقة” (Le Cadavre encerclé)، و”حسان طيرو” رفقة الراحل رويشد، إلى جانب “ورود حمراء من أجلي”، “الحياة حلم”، “المرأة المتمردة”، “عنبسة”، “الريح”، “احمرار الفجر”، والعمل الثوري “الرجل صاحب النعل المطاطي” لكاتب ياسين. كما شهدت فترة التسعينيات انتقاله الاحترافي إلى فرنسا حيث تألق ببراعة في مسرحيات أوروبية متميزة مثل “Les Généreux” عام 1995، عاكساً أرقى صور الفن الملتزم وعمق الهوية المغاربية.

في السينما، امتلك الراحل أرشيفاً ثرياً يتجاوز 50 فيلماً سينمائياً محلياً ودولياً. ولعل المحطة الأبرز في مسيرته هي مشاركته في الفيلم السياسي العالمي الشهير “زد” (Z) للمخرج اليوناني كوستا غافراس عام 1969 والحائز على الأوسكار. تلتها إسهامات متميزة في روائع السينما الجزائرية مثل: فيلم “الخارجون عن القانون” عام 1969، وفيلم “وقائع سنين الجمر” للمخرج محمد الأخضر حمينة عام 1975 الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان، وفيلم “كحلة وبيضاء” عام 1981، وفيلم “الطاحونة” (Le Moulin de M. Fabre) عام 1986.

وفي الألفية الجديدة، واصل تألقه في السينما الفرنكو-جزائرية عبر أفلام مثل “Les Diseurs de vérité” عام 2000، والفيلم البوليسي “موريتوري” (Morituri) عام 2007، وفيلم “L’Italien” عام 2010، وكذا أفلام “Beur sur la ville” عام 2011، و”Cheba Louisa” عام 2013.

عرفت البيوت الجزائرية والعربية ملامح أڨومي الصارمة والدافئة في آن واحد من خلال أعمال درامية وتلفزيونية بالغة الأثر. فمنذ مشاركته في سلسلة “المفتش طاهر” الشهيرة، ومسلسل “المصير” سنة 1989، وصولاً إلى المسلسل الدرامي الناجح “موعد مع القدر” عام 2007، ومسلسلي “يما” سنة 2020 و”مشاعر”، ومسلسل “الأرض” سنة 2025. لكن الأداء الذي حفر اسمه في وجدان الجيل الجديد كان تجسيده العبقري والمتقن لشخصية “الوزير قنديل” الدسيس والفكاهي في السلسلة الكوميدية الضخمة “السلطان عاشور العاشر” بمواسمها الممتدة بين 2015 و2021.

تميز سيد أحمد أڨومي بشخصية فنية آسرة وكاريزما نادرة الوجود؛ إذ كان يمتلك صوتاً جهورياً فخماً، وقدرة مذهلة على التحول اللحظي بين ملامح الغضب العارم والتهكم الساخر، وهو ما أهله لحمل لقب “الممثل ذو الألف وجه”.

كان قامة ثقافية متكاملة تجمع بين الفكر والالتزام المهني والوعي السياسي والاجتماعي. احتل مكانة مرجعية عليا في الساحة الفنية الجزائرية والعربية، وغدا بمثابة الأب الروحي للأجيال الفنية الصاعدة ونموذجاً يحتذى به في الانضباط والاحترافية العالمية.

تقديراً لجهوده الدؤوبة وعطائه الفني منقطع النظير، نال الراحل عدداً كبيراً من الأوسمة والجوائز؛ حيث تُوّج بجائزة أفضل ممثل عن دور الصحفي في فيلم “Les Diseurs de vérité” عام 2000 في المهرجانات الدولية. وفي السنوات الأخيرة، حظي بتكريمات شرفية رفيعة في بلاده، لعل أبرزها تتويجه بجائزة “أفانين الجزائر” تكريماً لمساره الاستثنائي، فضلاً عن الاحتفاء الكبير والمهيب به في مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي أواخر عام 2025، حيث ذرف دموع التأثر والوفاء أمام رفقاء دربه وجمهوره الوفي.

بعد مسيرة ذهبية حافلة بالعطاء والإبداع دامت لأكثر من ستين عاماً، ترجل الفارس عن صهوة جواده؛ حيث غيب الموت الفنان القدير سيد أحمد أقومي اليوم الأحد، 20 سبتمبر 2026، عن عمر ناهز 86 عاماً. رحل “الوزير قنديل” تاركاً وراءه فراغاً كبيراً لا يسد في الساحة الفنية، ومخلفاً إرثاً إبداعياً شامخاً سيظل محفوراً في وجدان وذاكرة الثقافة الجزائرية والعربية إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى