فن

دحمان الحراشي (1926-1980) أسطورة الفن الشعبي

تظلّ الموسيقى الجزائرية مدينَةً لعرّابها الفذّ وجوهرتها النادرة، الفنان الراحل دحمان الحراشي الذي لم يكن مجرد مؤدٍ عابر، بل كان مجدداً نقل طابع الشعبي العاصمي من النطاق النخبوي الضيق للقصائد الطويلة الصعبة، إلى فضاء رحب ومرن يلامس شغاف القلوب البسيطة، بفضل صوته الشجي الرخيم ونبرته الشجية الفريدة.

وُلد عبد الرحمن عمراني الذي عُرف لاحقاً بـ “دحمان الحراشي” في 7 جويلية 1926 بحي الأبيار في أعالي الجزائر العاصمة. ورغم ولادته بالعاصمة، إلا أن عروقه ضاربة في عمق البيئة الشاوية، حيث تنحدر عائلته من قرية “جلال” بولاية خنشلة. انتقل والده، الذي كان يشغل مؤذناً محترم في الجامع الكبير، للعيش في حي الحراش الشعبية سنة 1920. في هذا الحي الحيوي المتنوع والمثقل بالحكايات اليومية، نشأ دحمان وسط عائلة كبيرة كادحة، متجرعاً مرارة اليتم المبكر بعد وفاة والدته وهو رضيع لم يتجاوز الستة أشهر، مما صقل روحه الحزينة وجعلها منبعاً دافئاً للإحساس الفني.

عاش الفتى اليافع حياةً قاسية فرضت عليه ممارسة مهن متواضعة، فاشتغل تارة كمصلح أحذية صبور، وتارة أخرى كقاطع تذاكر في خطوط السكك الحديدية. لكن الشغف الموسيقي الجارف كان يجري في دمائه؛ ففي سن السادسة عشرة بدأ يؤدي أغانٍ كلاسيكية. وبسبب وطأة الظروف المعيشية الخانقة تحت نير الاستعمار، هاجر شاباً إلى فرنسا عام 1949، مستقراً بين ليل ومرسيليا ثم باريس. وهناك، في مقاهي الغربة، تفتقت موهبته الاستثنائية. بدأ أولاً كعازف بارع على آلة البانجو والماندول خلف شيوخ الفن، قبل أن يقتحم الأستوديو لأول مرة عام 1951 كعازف إيقاع، ثم يسجل أسطوانته الأولى عام 1956.

تميزت نصوص دحمان الحراشي بالعمق الفلسفي والواقعية المفرطة؛ فقد كتب ولحن ما يقارب 500 أغنية نابعة من صميم تجاربه الشخصية. تمحورت مواضيعه الأساسية حول لوعة الغربة وحنين السفر مع صياغة معاناة المهاجرين الجزائريين بأسلوب تراجيدي مؤثر وصادق، إضافة إلى المواعظ والحكم الاجتماعية التي تتجلى في روائعه مع نقد الخيانة، الغدر، قلة الوفاء، والتحذير من المظاهر الخداعة، مع التمسك بالقيم والأخلاق والدعوة إلى التآخي والرضا بالقضاء والقدر بلمسة روحية دينية عذبة.
تبقى الأغنية الأيقونية “يا الرايح وين مسافر” سنة 1973 درة نتاجه الفني، وهي أغنية المهاجرين العالمية التي أعاد غناءها مشاهير الفن مثل رشيد طه. إلى جانب روائع أخرى مثل “بهجة بيضا ما تحول” أولى أسطواناته تيمناً بالعاصمة، و”كيفاش ننسى بلاد الخير”، و”مازالني معاك”، “غير اللي حب صلاحو”، و”داك الزين على سلامتو”.. وغيرها .

أحيا دحمان عشرات السهرات الفنية المؤثرة في الحانات والمقاهي الباريسية وسط الجالية المغاربية. إلا أن ظهوره الرسمي الأبرز على خشبة المسرح أمام جمهور وطنه كان في مهرجان الموسيقى العاصمية بالجزائر عام 1974، حيث نال اعترافاً جماهيرياً مبهراً كشيخ لا يشق له غبار.

لم يكن دحمان يركض وراء الألقاب والميداليات الرسمية البهرجية؛ إذ كانت جائزته الكبرى هي القاعدة الشعبية العريضة وتبني فنه من قِبل الشعوب. ومع ذلك، حظي باعتراف المؤسسات الثقافية الفرنسية والجزائرية بصفته المجدد الحقيقي للشعبي.

امتلك مهارة يدوية دقيقة؛ فكان يقوم بتعديل وتوليف آلات البانجو والماندول الخاصة به بنفسه ليمنحها رنيناً خاصاً يختلف عن العزف التقليدي المألوف.

لم يكن دحمان يدوّن النوتات الموسيقية بشكل أكاديمي معقد؛ بل كان يؤلف كلماته ويلحنها مباشرة بصورة فطرية مدهشة بالاعتماد على قوة ذاكرته السمعية.

شارك بعبقريته التلقائية في الفيلم التلفزيوني الجزائري الشهير “صحا دحمان” الذي أخرجه سليم رياض، وعكس جوانب من شخصيته الحقيقية البسيطة.

في يوم 31 أوت 1980، خيّم الحزن المطبق على الساحة الفنية عقب تعرض الشيخ دحمان الحراشي لـحادث مرور مأساوي أليم بمنطقة عين البنيان غربي العاصمة، مما أدى إلى وفاته المفاجئة عن عمر ناهز 54 عاماً، ووُري ثراه في مقبرة القطار العريقة.

رغم رحيله الصادم منذ عقود، إلا أن طيفه لا يزال حياً بقوة؛ فقد تحول إرثه الاستثنائي إلى جسر ثقافي عابر للأجيال. واليوم، يحمل ابنه الفنان الموهوب كمال الحراشي مشعل هذا التراث الأصيل، لتبقى مدرسة الحراشي الموسيقية رمزاً أبدياً للكرامة، الهوية، والأصالة الجزائرية الطاهرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى