ديجي سنايك.. النجم العالمي الذي لم ينسه بريق الشهرة أصوله الجزائرية

لم يكن الفن يوماً مجرد نغمات عابرة، بل هو جسر متين يربط القلوب بالجذور؛ وتلك هي الحكاية اللامعة للنجم العالمي “ديجي سنايك” (DJ Snake)، الأيقونة الحية التي صهرت الموسيقى الإلكترونية الصاخبة بعراقة الإيقاعات المغاربية.
اسمه الحقيقي وليام غريغاسين، مبدع فذّ ولد في العاصمة الفرنسية باريس في 13 جوان سنة 1986، ونشأ في أزقتها الحافلة بالتنوع الثقافي. ترعرع وسط عائلة بسيطة من أب فرنسي وأم جزائرية تنحدر أصولها من مدينة تلمسان العريقة، وهي الأصول التي ظلت تنبض في عروقه وتلهم خياله الإبداعي في كل محفل دولي.
انطلقت شرارة الموهبة لدى “وليام” في سن مبكرة جداً؛ ففي سن الـ14، سُحر بعالم “الهيب هوب” والـ “تيرن تيبلز” (أجهزة دمج الأصوات)، وبدأ يخطو خطواته الأولى كمنسق موسيقي عصامي في الملاهي الليلية الباريسية. نال لقبه الشهير “سنايك” (الأفعى) في شبابه بفضل مهارته العالية في التملص من رجال الشرطة عندما كان يمارس هواية الرسم على الجدران (الغرافيتي). ورغم الصعوبات، قاده طموحه الجارف إلى الانتقال للولايات المتحدة الأمريكية، ليبدأ هناك رحلة الإنتاج الاحترافي، حيث تعاون في بداياته مع النجمة العالمية “ليدي غاغا” في ألبومها الشهير “Born This Way” عام 2011، وهو العمل السينمائي الفريد الذي ترشح عنه لجائزة “غرامي” Grammy العالمية.
انفجرت شهرة “ديجي سنايك” المدوية عام 2013 بفضل الرائعة الموسيقية “Turn Down for What” بالتعاون مع “ليل جون”، والتي تحولت إلى ظاهرة عالمية واجتاحت المنصات الرقمية بحصدها مليارات المشاهدات. وتوالت بعد ذلك القنابل الموسيقية التي هزت المسارح العالمية، وفي مقدمتها: “Lean On” بالاشتراك مع “ماجور ليزر”، والتي تصدرت المخططات الموسيقية العالمية لفترات طويلة، و “Let Me Love You” الرائعة الرومانسية الصاخبة مع النجم “جاستن بيبر”، و”Taki Taki” الهيت اللاتيني الحارق بمشاركة “سيلينا غوميز” و”كاردي بي”.
فترجمت هذه النجاحات الباهرة إلى تتويجات مستحقة، حيث حصد النجم العديد من جوائز Billboard Music Awards وجوائز MTV، إلى جانب ترشيحات متعددة لجوائز الـ Grammy رفيعة المستوى، مرسخاً مكانته كواحد من أكثر منتجي الموسيقى تأثيراً في الألفية الجديدة.
رغم النجومية العالمية الطاغية، ظل “ديجي سنايك” وفياً لجذوره الجزائرية، معلناً باعتزاز وفخر عن هويته في كل مناسبة. تجلى هذا العشق الوجداني في تحفته الفنية الخالدة “ديسكو مغرب” (Disco Maghreb) التي أطلقها عام 2022. هذا العمل لم يكن مجرد أغنية، بل كان “رسالة حب وشوق” إلى شعبه وجيل الشباب؛ حيث مزج فيه بعبقرية بين موسيقى “الراي” التقليدية والإيقاعات الإلكترونية الحديثة (موسيقى العلاوي بآلات الگلال والقصبة). وصوّر الفيديو كليب في مدينة وهران العريقة، مبرزاً العادات والتقاليد الجزائرية الأصيلة والفانتازيا بأسلوب سينمائي مبهر، مما ساهم في تحويل مقر شركة الفينيل القديمة “ديسكو مغرب” بوهران إلى مزار سياحي عالمي.
تتميز حفلات النجم بحضور جماهيري مرعب وطاقة حية لا مثيل لها، ولعل أبرز محطاته التاريخية كانت وقوفه شامخاً على مسرح “ستاد دو فرانس” و”بارك دي برينس” أمام عشرات الآلاف.
واستمراراً لهذا الرابط المتين، شهدت الساحة الفنية مؤخراً محطات استثنائية للنجم في بلده الأم؛ ففي مايو 2026، فاجأ الجمهور الجزائري بإقامة حفل مجاني عَفوي ساحر في ساحة البريد المركزي بقلب العاصمة الجزائر. هذا العرض الارتجالي الهائل الذي أشعل ليل العاصمة بأضواء الهواتف والبهجة، جاء بتنظيم مميز وتنسيق رائع، تزامناً مع حركيته الفنية الكبيرة واستقباله الرسمي من طرف رئيس الجمهورية “عبد المجيد تبون” في قصر المرادية لبحث مشاريع ومهرجانات موسيقية كبرى لفائدة الشباب.
إن مسيرة “ديجي سنايك” تجسد المعنى الحقيقي للفنان العالمي المتكامل؛ فهو السفير الذي لم تنسه أضواء الشهرة العالمية لغته الأولى وأصل أمه الطيب، ليظل دائماً “ابن الجزائر البار” الذي يحمل رايتها الثقافية ويحلق بها في أعالي سماء المجد الموسيقي.







