كريمة الصغيرة.. نجمة لا تغيب

تُعد الفنانة كريمة الصغيرة واسمها الحقيقي فتيحة زمام واحدة من الوجوه الفنية التي تركت بصمة واضحة في المشهد الثقافي الجزائري منذ نهاية الثمانينيات، أين برزت كأيقونةٍ فنيّةٍ جمعت بين رهافة الحسّ وقوة الحضور.
وُلدت في العاصمة يوم 11 أفريل عام 1970، وتنحدر أصولها من مدينة بسكرة، وهو ما انعكس على تنوع أدائها الفني بين الطابع العاصمي والصحراوي.
نشأت كريمة في بيئة فنية بامتياز؛ حيث تولت تربيتها عمتها الفنانة الراحلة “فليلفة”، التي كانت عضواً بارزاً في فرقة “المسامعية” وممثلة معروفة. في كنفِ هذه الأجواء المشبعة بالموسيقى والتراث، تفتحت موهبة كريمة، حيث كانت عمتُها بمثابة النبراس الذي أنار لها دروب النغم، فلقنتها أصول الغناء والتمثيل منذ نعومة أظفارها، لتقتحم الساحة الفنية رسمياً في سن مبكرة عام 1987.
شهد عام 1987 ميلاد نجمةٍ حقيقيةٍ في سماء الفن الجزائري؛ حيث سجلت أولى أغانيها في ديو شهير مع الفنان عبد الرحمن جلطي بعنوان “أنتِ عارفة” (Inti Arfa)، وهو العمل الذي كان بمثابة جواز سفرها لقلوب الجماهير. وفي العام ذاته، اقتحمت عالم التمثيل من بابه الواسع، حين اختارها المخرج الكبير مصطفى بديع لبطولة الفيلم التلفزيوني الخالد “كنزة”، لتؤكد أنها فنانةٌ شاملةٌ تمتلكُ ناصية التعبير بالصوت والصورة معاً.
تميزت مسيرة كريمة الصغيرة بالتنوع الثري، فهي “المطربة” في أوج نضجها، و”المغنية” التي لم تضل طريق الأصالة يوماً. انتقلت ببراعةٍ بين الطبوع الغنائية، من الأسلوب العاصمي الرزين إلى الطابع الوهراني والمغربي، محافِظةً على لمستها الخاصة التي تمزج بين الحداثة وعبق الماضي.
تنوعت أعمال كريمة الصغيرة بين الألبومات الغنائية والمشاركة في المهرجانات الوطنية والدولية.
فقد برعت في أداء الطابع الوهراني، العاصمي، الحوزي، وحتى المغربي، مما جعلها ضيفة دائمة في البرامج الفنية الكبرى.
كانت على موعد مع نجاح باهر عند إصدارها ألبوم “حكايات العشق” سنة 2015 والذي ضم أغاني ناجحة مثل “غير أنا وياك” و”نتمنى ليلة”، مؤكدة استمراريتها رغم تغير الموجات الموسيقية.
مثّلت الجزائر في عدة تظاهرات ثقافية، وكان لها حضور لافت في مهرجانات الأغنية العربية.
تُوجت مسيرتها بتقديرٍ معنويٍّ وجماهيريٍّ كبير، حيث حصدت جوائز عن أدوارها التمثيلية المتميزة، أبرزها تألقها في دور “كنزة” الذي لا يزال محفوراً في ذاكرة التلفزيون الجزائري. كما واصلت حضورها كقامةٍ فنيةٍ رصينة، مشاركةً في لجان تحكيم المهرجانات الدولية والمحافل الثقافية التي تحتفي بالفن الملتزم.
لقد ظلت كريمة الصغيرة، بوفائها لتراثها ونقاء حنجرتها، رمزاً للفنانة التي لا تشيخ موهبتها، ونموذجاً للفنانة التي حافظت على رقيّ اختيارها الفني، موازنةً بين الحداثة في الألحان والالتزام بالهوية الموسيقية الجزائرية.






