فن

الحاج حسن السعيد (1931-2013) قامة من قامات الأغنية الشعبية

شهدت الساحة الفنية الجزائرية بزوغ قامات إبداعية فذة صاغت الهوية الموسيقية، ومن أبرزها المطرب الشعبي الكبير الحاج أحسن السعيد.

في أزقة القصبة العتيقة بالجزائر العاصمة، المعبقة برائحة التاريخ والأصالة، وُلد الفنان الحاج أحسن السعيد في 18 نوفمبر 1931. ترعرع في حضن عائلة فنية ومحبة للموسيقى، الأمر الذي صقل سمعه منذ نعومة أظفاره وجعله يتشبع بأنغام التراث العاصمي العريق. هذه البيئة الخصبة قادته سريعاً وهو لا يزال طفلاً يافعاً إلى الانضمام لفرقة “الغرناطية” الشهيرة، حيث أظهر موهبة فذة واستعداداً فطرياً باهراً في أداء المديح الديني على طريقة المشايخ الكبار الذين أرسوا قواعد هذا الفن.

لم تكن مسيرة أحسن السعيد مسيرة عابرة، بل انطلقت من القواعد المتينة للمعهد الموسيقي البلدي للعاصمة، حيث التحق به رفقة صديق دربه الفنان عمار العشاب ليتتلمذ مباشرة على يد عميد الأغنية الشعبية الشيخ الحاج محمد العنقى. انطلق مشواره الاحترافي الفعلي عام 1951 كمغني وموسيقي بارع، وشغل مكاناً بارزاً كعضو أساسي في المجموعة الصوتية الأوركسترالية للشيخ العنقى. وقد وثّق التلفزيون الجزائري إبان الاستقلال عام 1962 حضور هذا الجيل الذهبي الذي ضمّ إلى جانبه بوجمعة العنقيس، والهاشمي قروابي، ورشيد السوكي وهم يشاركون العميد أداء روائع وطنية خالدة مثل أغنية “الحمد لله ما بقاش الاستعمار في بلادنا”.

تميز السجل الفني للحاج أحسن السعيد بالتنوع الجمالي البديع بين الأغاني الشعبية الخفيفة والقصائد التراثية الطويلة ذات المحمول الروحي والاجتماعي العميق. وقد اشتهر بأدائه المتقن لقصائد رصينة حفرت اسمه في ذاكرة الفن الجزائري، ومن أبرزها رائعة “صفة الشمعة والقنديل والثريا” التي أبدع في أدائها، وبرع في تجسيد أبعادها الروحية، وأيضاً أغنية “هذي مدة وأنا غريب” التي تحكي معاناة الغربة والتي أداها رفقة الفنانة أنيسة ميزاڨير، وأغاني أخرى منها “سعادة القلب”، “غضبان”.. كما تفنن في أداء المدائح الدينية وأحيا العديد من القصائد لكبار الشعراء منها قصيدة “محمد زهو البال” للشيخ عبد العزيز الوزاني، و”المحمدية” لعبد الرحمن حمادوش، وقصيدة “الصلاة والسلام على إمام الأبرار”… وغيرها.

وطوال هذه الرحلة الطويلة، نسج الراحل علاقات تعاون متينة واحتك بأعمدة الطرب الشعبي؛ فإلى جانب رفيق دربه بوجمعة العنقيس، تقاسم الرؤى الإبداعية مع شيوخ كبار من طينة الحاج مريزق، محمد بورحلة، وغيرهم من صناع المجد الموسيقي العاصمي.

تتجلى البصمة الفريدة للفنان أحسن السعيد في قدرته الفائقة على الحفاظ على أصالة الميزان الشعبي العاصمي ونقاء الأداء المعتمد على الأناقة اللفظية والالتزام بالمدارس التقليدية. احتل مكانة مرموقة بوصفه “حافظاً أميناً” للقصيد التراثي، ومرجعاً استشارياً وفنياً للأجيال اللاحقة. لم يكن مجرد مؤدٍّ، بل كان جسراً يربط بين جيل التأسيس والجيل الجديد، محافظاً على الهوية الفنية للمدينة القديمة في مواجهة التحديث العشوائي للموسيقى.

حظي الفنان بتقدير رسمي وشعبي واسع يعكس حجم عطائه؛ حيث نظمت المؤسسات الثقافية الجزائرية عدة وقفات تكريمية إشادة بمسيرته المرصعة بالإبداع. ومن أبرز هذه المحطات الحفل التكريمي الكبير الذي أقيم على شرفه بالجزائر العاصمة، والذي شهد حضوراً لافتاً لنجوم الأغنية الشعبية مثل عبد القادر شاعو، وسمير تومي، وراضية منال، والذين أعادوا أداء روائعه الخالدة اعترافاً بفضله ودوره الريادي.

بعد صراع مرير مع مرض عضال، ترجل الفارس عن صهوة جواده الفني مساء يوم الاثنين 7 أكتوبر 2013 بالجزائر العاصمة عن عمر ناهز 82 سنة. وُوري جثمانه الثرى بمقبرة دالي إبراهيم وسط أجواء مهيبة حضرها رفقاء دربه وأسرته الفنية. وبذلك انطفأت الشمعة والقنديل والثريا.. رحل الحاج أحسن السعيد جسداً، لكنه ترك وراءه إرثاً موسيقياً خالداً، وصدى صوتٍ أصيل لا يزال يتردد في أزقة القصبة العتيقة ليحكي قصة زمن جميل لن يتكرر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى