فن

باهية راشدي.. سيدة القلوب وأيقونة الشاشة الجزائرية

تزخر الساحة الفنية الثقافية الجزائرية بأسماء لامعة نقشت تذكارها بمداد من ذهب في قلوب الجماهير الوفية، ولعل أبرز هذه القامات السامقة والأيقونات الخالدة هي الفنانة القديرة باهية راشدي. يُلقبها عشاق الفن بـ “أم الدراما الجزائرية”؛ نظراً لشلال الحنان المتدفق الذي طالما أغدقت به في أدوارها المتميزة، مجسدةً ببراعة فائقة ونبل أصيل قيم المرأة الجزائرية الصبورة والوقورة.

أبصرت باهية راشدي النور في 25 سبتمبر 1948 في ربوع السهول الخصبة المورقة لمنطقة المتيجة وتحديداً بمدينة البليدة، بينما تنحدر أصول عائلتها من منطقة القصر بولاية بجاية الساحلية. نشأت الفتاة الرقيقة في كنف عائلة ريفية طيبة ممتدة وجميلة. تلقت تعليمها الأولي في المعهد الإسلامي ثم تابعت دراستها الثانوية بثانوية “الفتح” العريقة بالبليدة. لكن الأقدار المخبأة وضعتها أمام اختبار مرير ومبكر جداً؛ حيث اضطرت لمغادرة مقاعد الدراسة عقب الوفاة الفاجعة لوالدها الموقر، لتلج عالم الشغل بقطاع التعليم رغبةً منها في إعالة أسرتها الكبيرة.

لم يمنعها التدريس من تتبع وميض الشغف الفني الفطري الكامن في وجدانها المفعم بالحيوية؛ فبدأت رحلتها الفنية المذهلة من بوابة المسرح الإذاعي بين سنتي 1966 و1967.

كانت الشابة الطموحة تتنقل بانتظام بين مدينة بوفاريك والجزائر العاصمة لتسجيل الحلقات. وفي محطة فارقة من حياتها عام 1969، التحقت بالمجموعة الصوتية التابعة للمعهد العالي للموسيقى. هناك، وعلى مدار خمس سنوات كاملة، صقلت موهبتها تحت إشراف قامات موسيقية رائدة من الجزائر ومصر والمغرب. برعت في أداء الموشحات الأندلسية العريقة والأناشيد الوطنية الحماسية؛ لدرجة أنها أدت نشيد “أحبك يا قدس” الشجي أمام الرئيس الراحل هواري بومدين. واستمر عطاؤها في هذه المجموعة حتى بلغت الخمسين من عمرها.

عاشت الفنانة القديرة باهية راشدي قصة حب ورباطاً زوجياً مقدساً جمعها برفيق دربها الراحل، الفنان الكبير محمد راشدي. كان هذا الزواج نموذجاً نادراً للوفاء والتناغم الإنساني والفني؛ حيث تعاهدا على المضي قدماً في الحياة يداً بيد، وتحديا معاً وبصبر جميل وعاطفة صادقة جافة أقدارهما بحرمانهما من نعمة إنجاب الأطفال. لم يكن العقم يوماً حاجزاً بين قلبيهما، بل تحول غياب الأبناء إلى وقود ضاعف منسوب الحب والرعاية المتبادلة، فكان كل منهما للآخر بمثابة الشريك والابن والصديق والوطن. واستمر هذا العشق النبيل الطاهر ينبض بالدفء والاحترام المتبادل على مدار عقود طويلة، حتى خطف الموت رفيق عمرها سنة 2007، تاركاً في مآقيها دمعة وفاء لا تجف، وفي قلبها حنيناً أبدياً لرجل طالما وصفت رحيله بأنه كسر ظهرها، لتظل حاملة لاسمه وفخورة بإرثه العاطفي والفني أمام العالم أجمع.

انتقلت باهية راشدي بسلاسة ساحرة من الغناء الاستعراضي إلى فضاء التمثيل السينمائي والتلفزيوني الرحب. شكلت إطلالتها التلفزيونية الصادقة جواز مرور سريع إلى وجدان العائلات الجزائرية. قدمت عبر مسيرتها الطويلة ما يربو عن 20 عملاً درامياً مشهوداً و10 أفلام تلفزيونية وسينمائية خالدة. وإليكم أبرز هذه المحطات الإبداعية مرتبة بكرونولوجيا دقيقة.

تميزت المسيرة التلفزيونية والسينمائية للفنانة القديرة باهية راشدي بتدفق إبداعي غزير، رسمت من خلاله تاريخاً حافلاً من العطاء المنظم كرونولوجياً عبر عقود الزمن؛ فمنذ مطلع التسعينيات وضعت بصمتها الأولى في الفضاء الاجتماعي من خلال فيلم “يد الساحرة” عام 1991 للمخرج عمار تريباش، لتصنع بعده مباشرة الحدث الفني الأبرز والأكثر خلوداً في الذاكرة الشعبية بتجسيدها دور البطولة المطلقة في فيلم ومسلسل “امرأتان” عام 1992 إلى جانب الفنان الكوميدي الفذ عثمان عريوات. وواصلت النجمة المتألقة وهجها السينمائي بالمشاركة في فيلم “الرافعة” عام 1993، يليه فيلم “الوجه الآخر” عام 1995، لتدخل بعدها غمار الدراما الرمضانية بقوة عبر مشاركتها المتميزة في مسلسل “الجمان” وفيلم “الأخطاء” عام 1997.

ومع نهاية الألفية الماضية، رسخت مكانتها كأيقونة للشاشة التلفزيونية من خلال مسلسل “المشوار” عام 1998 الذي حقق نجاحاً جماهيرياً منقطع النظير، تلاه مسلسل “كيد الزمن” عام 1999، ثم مسلسل “بين البارح واليوم” مع مطلع عام 2000. ولم يتوقف عطاؤها الإبداعي مع بداية القرن الجديد؛ حيث أطلت على جمهورها الوفي بمسلسل “بلا بريء” عام 2001، لتشهد سنة 2002 ذروة نشاطها الفني عبر ثلاثة أعمال متكاملة وهي مسلسل “رشيدة”، ومسلسل “المرأة المنكسرة”، والمسلسل الشهير “الغايب”.

وفي خطوة نحو الدراما العربية والتاريخية، برعت في مسلسل “ظل الحكايا” عام 2011، لتنتقل بعدها إلى المشاركات ذات الأبعاد العالمية؛ حيث شاركت في فيلم الحركة والإثارة “أبواب الشمس: الجزائر إلى الأبد” عام 2015، تلاه دورها النبيل في الفيلم التاريخي المشترك “أغسطينوس: ابن دموعها” عام 2016، وفيلم “دقات القدر” السينمائي الروائي عام 2019. وفي السنوات الأخيرة، استمرت الأم الحنون للسينما الجزائرية في مرافقة العائلات عبر مسلسلي “النفق” و”أحوال الناس” في جزئه الثاني عام 2021، وصولاً إلى عودتها القوية المظفرة إلى بلاتوهات التصوير بعد رحلة علاجها لتصنع التميز مجدداً في مسلسل “الأرض” عام 2025.

حصدت الفنانة القديرة، نتيجة لجهودها المخلصة وأدائها الفني الراقي الملتزم بالخطوط الحمراء التي تحترم العائلة المسلمة، ثمار هذا التعب تكريماً واعترافاً واسعاً. وكان الإنجاز الأبرز في مسيرتها الدولية هو تتويجها بجائزة أفضل ممثلة عربية في مهرجان قرطاج الدولي بتونس عام 2005، تقديراً لبراعتها التعبيرية الفريدة وسحر أدائها الصادق. كما نالت عبر السنين عشرات التكريمات الشرفية في المحافل والمهرجانات الوطنية داخل الجزائر باعتبارها ذاكرة حية للجيل الفني الذهبي.

في ماي من عام 2024، تفاجأ الوسط الفني والجمهور العريض بمنشور مؤثر ومفجع نشرته الفنانة القديرة، أعلنت فيه بقلب مؤمن صابر إمضاءها على عقد ابتلاء مرير مع الداء الوبيل الخبيث (مرض السرطان). كشفت “يما باهية” أنها شعرت بتعب شديد بعد عيد الفطر لتبين الفحوصات الطبية بمستشفى مصطفى باشا الجامعي حقيقة المرض. أبدت الممثلة في تلك المحنة رضاها التام بقضاء الله، مشيدة بكفاءة الطاقم الطبي الجزائري. ونظراً لمكانتها السامية في قلوب الجزائريين، تدخل رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون مباشرة، وأمر بنقلها على جناح السرعة إلى العاصمة الفرنسية باريس لمتابعة بروتوكول علاج متقدم.

أبان هذا الابتلاء الصحي الصعب عن الرصيد الخيالي والكنز الحقيقي للفنانة؛ وهو الحب الجارف والدعاء الصادق من ملايين المشاهدين داخل وخارج الجزائر. تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات تضرع لله بأن يشفي الأم الحنون للسينما الوطنية. وعقب استكمال مراحل علاجها الكيماوي الشاق وتماثلها الكبير للشفاء، سجلت الفنانة عودة مبهجة تفيض بالأمل والسكينة إلى بلادها وإلى بلاتوهات التصوير، مؤكدة بحب جارف أنها ضحت بشبابها وصحتها لأجل جمهور تحترمه ويحترمها بالمثل.

إن مسيرة باهية راشدي الاستثنائية ستبقى دوماً درساً ملهماً في الفن النظيف المحتشم، ونموذجاً يُحتذى به في التميز الإبداعي والشموخ الإنساني عند الرخاء وعند الابتلاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى