الشيخ نورالدين (1918-1999) رائد الأغنية القبائلية وعبقري الكوميديا والسينما الجزائرية

الشيخ نورالدين وباسمه الحقيقي نور الدين مزيان، هو فنان جزائري شامل ومبدع استثنائي ترك بصمة لا تُنسى في تاريخ الثقافة والفن الجزائري عموماً.
وُلد في 8 نوفمبر 1918 بقرية أڨمون التابعة لمنطقة الأربعاء ناث إيراثن بولاية تيزي وزو. نشأ في بيئة دينية وأخلاقية محافظة، إذ كان والده معلماً جليلاً في زاوية سيدي عبد الرحمن، مما غرس فيه قيماً رفيعة رافقته طوال مسيرته.
غادر قريته الأبيّة مبكراً ليحط الرحال في العاصمة الجزائرية، حيث افتتح دكاناً أو عمل في وسط المدينة، وكان يمتع المارين بصوته الذهبي العذب وهو يُردد الألحان الشعبية الأصيلة. وفي 4 سبتمبر 1938، لاحظ موهبته الفذة مدير شركة الاسطوانات الشهيرة “باثي ماركوني” (Pathé Marconi)، السيد فينكل، ليفتح له أبواب الاحتراف ويسجل أولى اسطواناته الخالدة، لاسيما رائعة “ألو تريسيتي” التي حقق بها نجاحاً كبيراً آنذاك والتي تفنن في أدائها فيما بعد الفنان محمد علاوة.
لعب الشيخ نور الدين دوراً ريادياً وتاريخياً في إرساء دعائم الإذاعة الناطقة بالقبائلية أي القناة الثانية، ففي عام 1948، برز بموقفه الرؤيوي حين طالب بإلحاح بأن يُخصص جهاز الإرسال لبث البرامج باللغة الأمازيغية، ليُعد بحق الأب المؤسس لإذاعة القناة الثانية وصانع أول جوق موسيقي فيها.
عُرف الفنان بصوته الساحر وقدرته الفريدة على نظم الشعر والتلحين، إذ ألّف ما يقارب 700 قصيدة شعرية وسجل أكثر من 500 أغنية تنوعت بين الحكمة والنقد الاجتماعي الساخر. من أشهر أغانيه المبكرة والملتصقة بالوجدان الشعبي نذكر منها: “اوفيغ تجرة”، “غني غني”، “ثتسرو جوهرة”، “ايناس إ ورمضان”… وغيرها.
انتقل الفنان إلى ديار الغربة بفرنسا، وابتدأ من سنة 1972، شكّل الشيخ نور الدين مع عملاق الأغنية القبائلية سليمان عازم ثنائياً مرحاً وساحراً استمر لقرابة عشرة كاملة. أبدع الثنائي في دمج الغناء الأصيل بالمنولوجات والاسكتشات الفكاهية الهادفة التي عالجت هموم المهاجرين، وبلغا معاً نحو 96 تسجيلاً مشتركاً بين أغنية وسكتش فكاهي لا يزال الجمهور يتناقله بشغف واعتزاز. والمثير للإعجاب أن الشيخ نور الدين، ورغم صخَب الحياة الليلية وحانات باريس التي كان ينشط فيها فنه، ظل وفياً لتقاليد زاويته، زاهداً عن المحرمات، لا يطلب سوى كأس حليب في مجالس الطرب، مضرباً مثلاً فريداً للفنان الملتزم والأخلاقي.
لم تقتصر عبقرية الشيخ نور الدين على الطرب والشعر، بل امتدت لتشمل التمثيل المسرحي والسينمائي، حيث شارك ببراعة فائقة في ألمع الأفلام الجزائرية في فترة ذهبيتها. من أبرز الأفلام التي شارك فيها: فيلم “الخارجون عن القانون” الذي رسخ في الذاكرة الشعبية بعبارته الشهيرة فيه، فيلم “دورية نحو الشرق”، “وقائع سنوات الجمر”، “تحيا يا ديدو” وفيلم “أبناء نوفمبر”.
حاز الشيخ نور الدين محبة واسعة وتقديراً شعبياً ورسمياً كبيراً كرمز من رموز الثقافة العريقة، وظل عطاؤه متدفداً حتى وافاه الأجل المحتوم في 16 أوت 1999، لترجل المبدع الشامل تاركاً خلفه إرثاً ثقافياً وفنياً خالداً في ذاكرة الأجيال الجزائرية.








