فريد الروكر.. نبض الكوميديا الجزائرية ورحلة العطاء الإبداعي

لم يكن الممثل الكوميدي القدير فريد قسايسية، المعروف جماهيرياً بلقب “فريد الروكور”، مجرد وجه عابر على الشاشة الجزائرية، بل كان فنانًا استثنائيًا عشق الفن السابع ونذر حياته لاحتراف الكوميديا الهادفة. استطاع بفضل موهبته الفذة وكاريزمته التلقائية أن يدخل السرور بلمسة سحرية إلى قلوب الجزائريين، راسماً ابتسامة دافئة على وجوههم طيلة أعوام طويلة من الإبداع المتميز والعطاء الفني الزاخر.
ولد نجم الكوميديا اللامع فريد قسايسية في 24 جويلية سنة 1964 في قلب الجزائر العاصمة النابض. منذ صغره، تملّكه حب جارف لميدان التمثيل وعالم السينما الساحر. كان يحمل في قلبه غيرة شديدة على الفن الجزائري؛ حيث تجسدت أبرز أمنياته وطموحاته في رؤية تطور ملحوظ وتغيير جذري وشامل في القطاع الفني بالجزائر، لتعود المتعة البصرية والنجاحات الجماهيرية الكبرى التي حققها كبار نجوم الزمن الجميل.
شهدت فترة الثمانينات الإرهاصات الأولى لمسيرته الفنية الحافلة، حيث سجل بدايته الهادئة من خلال دور ثانوي في الفيلم الثوري التاريخي “في سبيل الجزائر” سنة 1985.ولكن المحطة المفصلية التي قادته نحو الشهرة الواسعة والنجاح الجماهيري الساحق كانت في سنة 1991 عبر برنامج المنوعات الشهير “بلاد ميوزيك” (Bled Music)؛ حيث تولى مهمة التقديم والتنشيط بأسلوب عصري متجدد، حوّل البرنامج إلى ظاهرة فنية تخطت حدود الوطن لتحقق نجاحاً باهراً في سائر أرجاء المغرب العربي.
توالت النجاحات السينمائية والتلفزيونية لفريد الروكور ليصبح رقماً صعباً في المشهد التلفزيوني. ففي سنة 1993، شارك في العمل السينمائي الدرامي الهام “لحن الأمل” (Le Mélodie de l’espoir) إلى جانب الفنان عبد الرحمان جلطي، وتحت إدارة المخرج القدير الراحل جمال فزاز.
أما العصر الذهبي لنجوميته، فقد تشكّل عبر مشاركاته القوية والبارزة في السلسلات الفكاهية والسيتكومات الرمضانية.
وقد حفر اسمه بحروف من ذهب في الذاكرة الجمعية للمشاهدين من خلال أدائه الأسطوري في الأجزاء الثلاثة للسلسلة الفكاهية الناجحة “ناس ملاح سيتي” (2002-2004) للمخرج العبقري جعفر قاسم، واقفاً نداً لند أمام باقة من ألمع نجوم الكوميديا الجزائريين مثل صالح أوقروت، الراحل محمد جديد (هواري)، جمال بوناب، والنجمة القديرة بيونة التي شكل معها ثنائياً مذهلاً واشتهر برفقتها بدور “حسونة” الفكاهي.واستمراراً لوفائه للجمهور، أطل بوجوه وشخصيات متعددة في أعمال كوميدية أخرى تركت بصمة واضحة، مثل:سلسلة “سوق الحاج لخضر”، مسلسل “دار الجيران”، سيتكوم “بوضو”، سلسلة “دار العجب 2”.
وكان سر نجاحه الدائم يكمن في تركيزه الشديد ودقته العالية في اختيار أعماله الفنية من خلال قراءة متأنية للسيناريوهات، والحرص على التعامل مع كبار المخرجين وأقوى الممثلين.
في 12 جويلية سنة 2021، تلقى الجمهور الجزائري والوسط الفني صدمة موجعة برحيل فريد الروكور المفاجئ إثر نوبة قلبية. غادرنا الفنان الذي تعود عليه المشاهدون في برامجه التلفزيونية بصراحته العفوية الكبيرة، وانتقاده البنّاء واللاذع لما يحدث في كواليس الوسط الفني. رحل جسداً، لكنه ترك خلفه إرثاً كوميدياً خالداً يزينه حب الناس ودعواتهم له بالرحمة.





