هواري بن شنات.. سفير الأغنية الوهرانية ونجم الراي الأصيل

يتربع الفنان القدير والمطرب المبدع هواري بن شنات على عرش الأغنية الوهرانية العريقة، كأحد ألمع وأبرز الأسماء التي صاغت العصر الذهبي لموسيقى الراي. فقد لُقّب بـ “خوليو العرب” أو “جنتلمان الراي” بفضل أسلوبه الراقي وأدائه الملتزم، مشكّلاً جسراً إبداعياً متيناً يربط بين أصالة الشعر البدوي الموزون وعصرنة الإيقاعات الموسيقية الحديثة، ليبقى صوته الشجي محفوراً في الذاكرة الحية للفن الجزائري والعالمي.
ولد هذا الفنان المتميز يوم 25 جانفي 1961، في حي “الحمري” الشعبي الشهير بقلب مدينة الباهية وهران، وهو الحي العريق الذي لطالما كان مهداً ومنبعاً لا ينضب للمبدعين. في هذه البيئة الوهرانية المفعمة بالحيوية والأصالة، نشأ الشاب هواري متشرّباً عبق الفن الفلكلوري، ومستمعاً شغوفاً لقصائد الملحون الدفينة وحكايات التراث الشعبي التي صقلت موهبته الفطرية الباكرة.
في مدرسة العمالقة الكبار على عكس الكثير من أبناء جيله الذين استهواهم الراي الصاخب، اختار بن شنات سلوك طريق الطرب الوهراني الكلاسيكي (العصري) الأكثر رصانة. وتأثر منذ صغره بأعمدة الفن الجزائري، الذين نهل من مدارسهم أسرار الأداء المتقن أمثال بلاوي الهواري الذي استلهم منه الأناقة الأدائية والوقار فوق الخشبة، وأحمد وهبي الذي تعلم منه الدقة المتناهية في صياغة الجمل الموسيقية، وكذلك أحمد صابر: الشاعر الثائر الذي تأثر بجرأته اللغوية وطرحه الاجتماعي الهادف.
في عام 1975، ولم يكن قد تجاوز الرابعة عشرة من عمره، خطى أولى خطواته الواعدة في عالم الموسيقى، ممتشقاً صوته القوي الصادق ليردد أعذب الألحان في الحفلات العائلية والمناسبات المحلية.
شهد عام 1977 النقلة التاريخية الحقيقية في مسيرته الفنية، حيث سجل أولى أغانيه الخاصة بعنوان “دلالي”، والتي حققت نجاحاً باهراً وشهرة مدوية جعلت من اسمه رقماً صعباً في الساحة الفنية. انتمى هواري بن شنات إلى الجيل الثاني للأغنية الرايوية الحديثة، واقفاً جنباً إلى جنب مع قامات أسطورية مثل الشاب خالد، الشاب صحراوي، الشاب حميد، والشاب الهندي، وهم الثلة المبدعة التي صنعت مجد هذا الفن في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وقد تميز بن شنات بتقديم فن راي نظيف عائلي، مستبعداً الكلمات المبتذلة ومفضلاً المواضيع الإنسانية العميقة كالغربة، الحب العذري، والوطن، ومن أبرز روائعه الخالدة: رائعة “بختة” القصيدة التاريخية الشهيرة للشيخ عبد القادر الخالدي، و”سمحيلي يا ما”، “أرواحي ليا” و”ديك الغدارة”، “تيليفون حرم”، “نتيا عمري يا لالجيري” الأنشودة الوطنية المفعمة بصدق الانتماء، ولمسقط رأسه وهران غنى الأغنية الأيقونية “أرسام وهران”.
لم تتوقف كاريزما ابن وهران عند الحدود الوطنية، بل سافر بصوته الواعد ليصبح سفيراً فوق العادة للأغنية الجزائرية والوهرانية في أوروبا والعالم العربي.
شارك بن شنات بفعالية في مهرجان بوبيني التاريخي والأول من نوعه للراي في فرنسا سنة 1986، والذي فتح الأبواب العالمية واسعة أمام الموسيقى الجزائرية.
كما غنى في كبرى المسارح الباريسية، واعتلى خشبات مسارح عريقة مثل “الزينيت” (Zénith) و”لا سيغال” (La Cigale)، محققاً حضوراً جماهيرياً غفيراً، بالإضافة إلى جولاته الناجحة في المغرب، تونس، ومصر.
نال خلال مسيرته الطويلة العديد من التكريمات الرسمية والجوائز التقديرية داخل وخارج الوطن، لاسيما من طرف وزارة الثقافة الجزائرية التي كرمته مراراً في المهرجانات الوطنية المنظمة بمدينة سيدي بلعباس ووهران اعترافاً بجهوده الحثيثة في الحفاظ على الموروث الغنائي الوهراني، كما نال تكريماً مميزاً رفقة رفيقة دربه الفنانة الزهوانية بالمسرح الوطني الجزائري من طرف الجمعية الفنية الألفية الثالثة سنة 2018 تحت إشراف وزارة الثقافة والفنون.
لا يزال يحتل هواري بن شنات اليوم مكانة اعتبارية مرموقة كحكيم ومرجعية فنية لا غنى عنها في المشهد الثقافي الجزائري. في وقت تلاشت فيه الأغاني التجارية العابرة، بقيت أعماله صامدة في وجه الزمن لا تحدها تضاريس الأجيال، ليظل رمزاً للأصالة الفنية الشامخة، والمطرب الذي أثبت للعالم أن الفن يمكن أن يكون احتفالياً، محترماً، وراقياً في آن واحد.







