فن

عبد الكريم بن خرف الله.. فنان الزمن الجميل وقامة الكوميديا الهادفة

غيبه الموت جسداً ولم يطوِه تاريخاً؛ هكذا يُمكن وصف الفنان الكوميدي القدير عبد الكريم بن خرف الله المعروف فنياً بلقب “ديدي” أو “العقبي”، والذي يُعد ركيزة أساسية من ركائز الفن الفكاهي الجزائري، وقامة رسمت الابتسامة على وجوه الجزائريين طيلة نصف قرن من العطاء الإبداعي الصادق والمستمر.

ولد عبد الكريم بن خرف الله في سنة 1942 بالعاصمة الجزائرية، وترعرع في أحضان حي باب الواد العريق. شهدت طفولته المبكرة شغفاً دفيناً بالفن، غير أن البداية الفعلية لمشواره الفني انطلقت في سنة 1958 من أعالي القصبة العليا، حيث انضم إلى فرقة “جمعية نجمة الصباح” التي أسسها رفيق دربه التاريخي الفنان أحمد قادري المشهور بلقب “قريقش”. شكّل هذا الثنائي المتناغم ظاهرة كوميدية فريدة دامت عقوداً طويلة، وامتدت مساندة بن خرف الله لرفيقه الكوميدي من مطلع الستينيات وحتى عام 2010.

أثرى الراحل القدير رصيد الفن الجزائري بأكثر من ثلاثين “سكاتش” وهزلية مسرحية رفقة صديقه قريقش. من أبرز العروض المسرحية الهادفة التي شارك فيها: سكاتش “قريقش في التقدم”، “قريقش السكير”، “قريقش والسراق”، “قريقش على حق” و”قريقش عند القاضي” و”قريقش يدرس”.

أما على خشبة المسرح الوطني محي الدين بشطارزي، فقد ختم مسيرته المسرحية الرائعة ببطولة مسرحية “الهايشة” عام 2015، وهي عمل مميز مقتبس عن نص “الخرتيت” للكاتب العالمي أوجين يونسكو.


وفي الفن السابع، بصم بن خرف الله على حضور مميز بمشاركته في الفيلم الكوميدي الأيقوني الخالد “عايلة كي الناس” عام 1990، حيث تقاسم البطولة مع عمالقة التمثيل مثل عثمان عريوات، والراحلة فتيحة بربار.

حقق بن خرف الله جماهيرية واسعة في البيوت الجزائرية بفضل تجسيده التلفزيوني الرصين؛ ولعل أشهر أدواره على الإطلاق في الدراما التلفزيونية والكوميديا كان في المسلسل الناجح “ماكاش ڨازوز يا عزوز” عام 1995، رفقة نوال زعتر وعمر ڨندوز.
ولم تقتصر إبداعاته على اللغة العربية فحسب، بل لمع نجمه في التلفزيون الجزائري والشبكة الإذاعية باللغة الأمازيغية في القناة الثانية والرابعة، حيث قدم ابتداءً من عام 2013 سلسلة من المسلسلات والأعمال الكوميدية الناطقة بالأمازيغية التي عززت مكانته كفنان شامل لكل الجزائريين.

طيلة هذا المسار الممتد، تعاون الفنان الكبير مع نخبة من ألمع المخرجين والممثلين، وفي مقدمتهم المخرج المبدع أعمر تريبش الذي وظف موهبته الفذة في العديد من الروائع التلفزيونية. كما اشتغل جنباً إلى جنب مع نجوم الكوميديا السوداء والاجتماعية كالفنان حميد لوراري المعروف باسم قاسي تيزي وزو، ومراد شعبان، وهشام مصباح، وصبيحة شامي.

حظي الفقيد بتقدير واسع وتكريم رمزي مميز في عام 2017 من قِبل السلطات المحلية لبلدية الجزائر الوسطى بالتعاون مع جمعية “عائلة الخير”، حيث قُلِّد وساماً شرفياً تقديراً لعطائه الطويل داخل منزله إثر تدهور وضعه الصحي.

وبعد صراع مرير مع وعكة صحية ألمت به وألزمته الفراش لقرابة سنتين، ترجل الفارس عن صهوة الحياة فجر يوم الأربعاء 09 أكتوبر 2019 في الجزائر العاصمة عن عمر ناهز 77 عاماً، مخلفاً وراءه إرثاً إبداعياً نقياً وذكرى طيبة في قلوب الملايين من محبيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى